مجمع البحوث الاسلامية
52
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
إذا فزعت منه ، وذلك أنّ المذعور يتجمّع » ! ونحن نكرّر عليه سؤاله : « فكيف تقيس على هذا جثثت الشّيء واجتثثته ، إذا قلعته ، والجثيث من النّخل : الفسيل ، والمجثّة : الحديدة الّتي يقتلع بها الشّيء » ؟ ولا نقتنع بقوله : « قياسه قياس الباب ، لأنّه لا يكون مجثوثا إلّا وقد قلع بجميع أصوله وعروقه ، حتّى لا يترك منه شيء ، فقد عاد إلى ما أصّلناه » لأنّه تمحّل بيّن . ثمّ إنّ أصل ما أصّل عليه ليس من هذا الباب ، لأنّ « الجثاجث » و « الجثجاث » من مادّة « ج ث ج ث » ، ومعنى الفزع من المهموز ، قال ابن السّكّيت : « قد جئف الرّجل وجئث وزئد ، إذا فزع » ، وقال الحربيّ في حديث النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم : « فجثثت منه » أراد « جئثت » فجعل مكان الهمزة ثاء . والجثّة : شخص الشّيء ، والجثّ : الأرض المرتفعة ، وغلاف الثّمرة ، من « الجفّة » و « الجفّ » ، فالثّاء بدل عن الفاء ، والفاء أكثر ما يعتري الثّاء من سائر الحروف عند الإبدال ، مثل : الجدف والجدث ، والفناء والثّناء ، والفوم والثّوم ، وغيرها كثير . الاستعمال القرآنيّ جاءت مرّة واحدة ، في سورة مكّيّة : وقد سبقت يلاحظ أوّلا : أنّ ( اجتثّت ) جاءت وصفا لشجرة خبيثة نبتت على سطح الأرض لا قرار لها ، مثلا لكلمة خبيثة لا بقاء لها ، ومقابلة لكلمة « طيّبة » الّتي هي كشجرة طيّبة لها قرار ثابت في تخوم الأرض . ثانيا : تمثيل الكلمة طيّبها وخبيثها بالشّجرة بنوعيها ، من أجل نموّها وسرايتها وأثرها الباقي والزّائل . لاحظ « ك ل م » و « ش ج ر » . ثالثا : جاء في جانب الكلمة « الطّيّبة » أنّها شجرة طيّبة أصلها ثابت وفرعها في السّماء . أمّا الكلمة « الخبيثة » فاجتثّت من فوق الأرض ، فلا فرع لها ، كما لا أصل لها ، فلهذا سكت عن أصلها وفرعها واكتفى بأنّها اجتثّت من فوق الأرض . رابعا : جاءت ( اجتثّت ) ماضيا مؤنّثا مجهولا من باب « الافتعال » الدّالّ على الضّعف مرّة واحدة ، تقليلا وتحقيرا لها ، كأنّها انفعلت وغابت عن الأذهان واختفت عن الآذان والأبصار ، كأن لم تكن شيئا مذكورا ، وهذا يحكي منتهى ضعفها ، كما أنّ الكلمة الطّيّبة لها أصل في تخوم الأرض وفرعها في السّماء ، ترتفع بلا حدود وإلى غير نهاية ، وهذا يحكي منتهى قوّتها . خامسا : جاءت الكلمة بنوعيها في آيتين ، ثمّ طبّقهما اللّه في آية بعدها على فريقين : على المؤمنين الّذين وصفهم بأنّ اللّه يثبّتهم بإيمانهم الصّادق بالقول الثّابت في الحياة الدّنيا والآخرة ، وعلى الظّالمين الّذين يضلّهم اللّه بظلمهم البالغ ويفعل بهم ما يشاء . فلم يذكر الحياتين بشأنهم اكتفاء بما سبق ، وتعميما لحال الظّالمين بأنّ اللّه يفعل بهم ما يشاء من الذّلّ والهوان والعذاب في جميع الأحوال ، وهي تشمل الدّنيا والأخرة ، إلّا أنّ إهمال حالهم أبلغ من اختصاصها بالدّنيا والآخرة . سادسا : وصف في هذه أهل « الكلمة الطّيبة » بالمؤمنين الّذين يثبّتهم اللّه بالقول الثّابت ، وأهل « الكلمة الخبيثة » بالظّالمين الّذين يضلّهم اللّه ، والبحث في الهداية والإضلال المنسوبتين إلى اللّه ، يأتي في « ض ل ل » و « ه د ي » ، فانتظر .