مجمع البحوث الاسلامية
499
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أو والده حقّ ؛ وذلك أنّ قضاء الحقوق في القيامة من الحسنات والسّيّئات . [ ثمّ نقل الأحاديث وقال : ] فذلك معنى قوله جلّ ثناؤه : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً * يعني أنّها لا تقضي عنها شيئا لزمها لغيرها ، لأنّ القضاء هنالك من الحسنات والسّيّئات على ما وصفنا . وكيف يقضي عن غيره ما لزمه من كان يسرّه أن يثبت له على ولده أو والده حقّ ، فيأخذه منه ولا يتجافى له عنه ؟ وقد زعم بعض نحويّي البصرة أنّ معنى قوله : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً : * لا تجزي منها أن تكون مكانها ، وهذا قول يشهد ظاهر القرآن على فساده ؛ وذلك أنّه غير معقول في كلام العرب أن يقول القائل : ما أغنيت عنّي شيئا ، بمعنى ما أغنيت منّي أن تكون مكاني ، بل إذا أرادوا الخبر عن شيء أنّه لا يجزي من شيء ، قالوا : لا يجزي هذا من هذا ، ولا يستجيزون أن يقولوا : لا يجزي هذا من هذا شيئا . فلو كان تأويل قوله : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً * ما قاله من حكينا قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ ، * كما يقال : لا تجزي نفس من نفس ، ولم يقل : لا تجزي نفس عن نفس شيئا . وفي صحّة التّنزيل بقوله : لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً * أوضح الدّلالة على صحّة ما قلنا ، وفساد قول من ذكرنا قوله في ذلك . ( 1 : 265 ) القيسيّ : و ( لا تجزى ) وما بعدها من الجمل الّتي في أوّلها « لا » كلّها صفات ل « يوم » ومع كلّ جملة ضمير محذوف يعود على « يوم » ، ولولا ذلك لم تجز الصّفة ، تقديره : لا تجزي نفس فيه ، ولا تقبل منها شفاعة فيه ، ولا يؤخذ منها عدل فيه ، ولا هم ينصرون فيه . وقيل : التّقدير : لا تجزيه نفس ، تجعل الظّرف مفعولا على السّعة ، ثمّ تحذف الهاء من الصّفة ؛ وحذف الهاء أحسن من حذف « فيه » . ولولا تقدير هذه الضّمائر لأضيفت ( يوما ) إلى ( لا تجزى ) ، كما قال : يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ المرسلات : 35 ، و يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ الانفطار : 19 ، وهو كثير . فإذا أضفته فلا يكون ما بعده صفة له ، ولا يحتاج إلى تقدير ضمير محذوف ، وقد أجمع القرّاء على تنوينه . ( 1 : 44 ) نحوه ابن الأنباريّ ( 1 : 80 ) ، والعكبريّ ( 1 : 60 ) . الطّوسيّ : أي لا تقابل مكروهها بشيء يدرأه عنها ، قال اللّه تعالى : هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ النّمل : 90 ، وقال : الْيَوْمَ تُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ المؤمن : 17 . والفرق بين المقابلة والمجازاة : أنّ المقابلة قد تكون للمساواة فقط ، كمقابلة الكتاب بالكتاب ؛ والمجازاة : تكون في الشّرّ بالشّرّ والخير بالخير . ( 1 : 211 ) البغويّ : لا تقضي نفس عن نفس شيئا ، أي حقّا لزمها ، وقيل : لا تغني ، وقيل : لا تكفي شيئا من الشّدائد . ( 1 : 112 ) الزّمخشريّ : لا تقضي عنها شيئا من الحقوق ، ومنه الحديث في جذعة بن نيار : « تجزي عنك ولا تجزي عن أحد بعدك » . و ( شيئا ) مفعول به ، ويجوز أن يكون في موضع مصدر ، أي قليلا من الجزاء ، كقوله تعالى :