مجمع البحوث الاسلامية

487

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

قيل له : المعنيّ بهذه الآية أنّه لا يحمل والد ذنب ولده ، ولا مولود ذنب والده ، ولا يؤاخذ أحدهما عن الآخر . والمعنيّ بالأخبار : أنّ ثواب الصّبر على الموت ، والإحسان إلى البنات يحجب العبد عن النّار ، ويكون الولد سائقا له إلى الجنّة . ( 14 : 81 ) أبو حيّان : ( لا يجزى ) لا يقضي ، ومنه قيل للمتقاضي : المتجازي ، وتقدّم الكلام في ذلك في أوائل البقرة . ولمّا كان الوالد أكثر شفقة على الولد من الولد على أبيه ، بدأ به أوّلا وأتى في الإسناد إلى الوالد بالفعل المقتضي للتّجدّد ، لأنّ شفقته متجدّدة على الولد في كلّ حال ، وأتى في إسناد إلى الولد باسم الفاعل ، لأنّه يدلّ على الثّبوت ، والثّبوت يصدق بالمرّة الواحدة . والجملة من ( لا يجزى ) صفة ل ( يوم ) والضّمير محذوف ، أي منه ، فإمّا أن يحذف برمّته ، وإمّا على التّدريج حذف الخبر فتعدّى الفعل إلى الضّمير ، وهو منصوب فحذف . وقرأ الجمهور ( لا يَجْزِي ) مضارع « جزى » ، وعكرمة بضمّ الياء وفتح الزّاي مبنيّا للمفعول ، وأبو السّمّاك وعامر ابن عبد اللّه وأبو السّوار ( لا يجزئ ) بضمّ الياء وكسر الزّاي مهموزا ، ومعناه لا يغني ، يقال : أجزأت عنك جزاء فلان ، أي أغنيت . ( 7 : 194 ) نحوه الشّربينيّ ( 3 : 199 ) ، وأبو السّعود ( 5 : 195 ) ، والآلوسيّ ( 21 : 107 ) . ابن كثير : أي لو أراد أن يفديه بنفسه لما قبل منه ، وكذلك لو أراد فداء والده بنفسه ، لم يقبل منه . ( 5 : 398 ) البروسويّ : أي لا يقضي عنه شيئا من الحقوق ، ولا يحمل من سيّآته ولا يعطيه من طاعاته ، يقال : جزاه دينه ، إذا قضاه . [ إلى أن قال : ] هُوَ جازٍ : قاد ومؤدّ . ( 7 : 100 ) ابن عاشور : وجملة لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ . . . صفة « يوم » وحذف منها العائد المجرور ب « في » توسّعا بمعاملته معاملة العائد المنصوب ، كقوله : وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً البقرة : 48 . وجزى إذا عدّي ب « عن » فهو بمعنى قضى عنه ، ودفع عنه ، ولذلك يقال للمتقاضي : المتجازي . ( 21 : 132 ) مكارم الشّيرازيّ : إنّ جملة لا يَجْزِي من مادّة الجزاء ، والجزاء قد ورد بمعنيين من النّاحية اللّغويّة : أحدهما : المكافأة والمعاقبة مقابل شيء ، كما يقال : جزاه اللّه خيرا . والآخر : الكفاية والنّيابة والتّحمّل للشّيء عن الآخرين ، كما جاء في الآية مورد البحث : لا يَجْزِي والِدٌ عَنْ وَلَدِهِ . ومن الممكن أن يعود كلا المعنيين إلى أصل واحد ، لأنّ الثّواب والعقاب يحلّان محلّ العمل وينوبان عنه ، وهما بمقداره أيضا ، تأمّلوا ذلك . على كلّ حال ، فإنّ كلّ إنسان في ذلك اليوم مشغول بنفسه ، ومبتلى بتعقيدات أعماله ومنحنياتها ، ولا ينظر إلى أحد ولايهتمّ به ، حتّى وإن كان أبوه وابنه الّذي كانت تربطه به أقرب الرّوابط ، فلا يفكّر أحد بآخر مطلقا . إنّ هذه الآية نظير ما ورد في بداية سورة الحجّ ؛