مجمع البحوث الاسلامية
482
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وهل هناك جريمة تستوجب كلّ هذا النّكال العظيم الدّائم الّذي له أوّل وليس له آخر ، كما قال تعالى : لَهُمْ نارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذابِها فاطر : 36 . الجواب : نعم ، إنّ في النّاس مجرمين يستحقّون هذا النّوع من العذاب الأليم ، وأكثر منه أيضا ، ومن هؤلاء الّذين يحاربون الحقّ أو يكتمونه وهم يعلمون ، سواء أكان هذا الحقّ للّه أم للنّاس . وأعظم منهم جرما تجّار الحروب الّذين أعدّوا لسفك الدّماء وتدمير الحياة الأسلحة الجهنّميّة ، كالقنابل الذّرّيّة والهيدروجينيّة ، والموادّ السّامّة الّتي تقتل المئات بل والملايين في دقائق معدودات . إنّ أيّة عقوبة يعاقب بها السّفّاحون فهي دون ما يستحقّون ، وليست السّلاسل والأصفاد وسرابيل النّيران بشيء ، في جانب تدمير البلاد وتشريد العباد ، وتشويههم وتقتيلهم بمئات الألوف . ثمّ هل الشّرر المتطاير من جهنّم أسوأ أثرا من القنبلة الذّرّيّة الّتي ألقيت على هيروشيما ، مع العلم بأنّ نسبتها من حيث الأثر إلى ما يملكه السّفّاحون الآن من القنابل ، كنسبة الواحد إلى الألف ؟ وهل طعام الزّقّوم ، وماء الصّديد أشدّ فتكا بالأجسام والأرواح من سلاح الجراثيم الّذي يستعمله الآن أعداء اللّه والإنسانيّة في فيتنام ، ومن قبل في كوريا ؟ وسبق عند تفسير الآية ( 27 ) من هذه السّورة : أنّ الإنسان إذا مسّته ذرّة من سلاح الجراثيم تقلّصت عضلاته ، وبرزت عيناه ، ومات في الحال . فهل بعد هذا يشكّ عاقل في أنّ الحلم بأصحاب هذا السّلاح ظلم ، وأنّ الرّحمة بهم إثم ، وإنّهم لو عوقبوا بأشدّ من عذاب جهنّم لكان عقابهم حقّا وعدلا ؟ هل يستكثر أيّ نوع من أنواع العذاب على من لا يروي ظمأه إلّا دماء الألوف ، ولا يشبع جوعه إلّا أقوات الملايين ومقدّراتهم ؟ ولو لم يكن دليل على البعث والحساب إلّا وجود هذه المظالم لكفى ؛ إذ لو كانت الدّنيا هي كلّ شيء ، وليس من وراءها عالم آخر تردّ فيه الحقوق إلى أصحابها ويجد كلّ ظالم الجزاء الّذي يستحقّه ، لكان الموت خيرا من الحياة ، والظّلم أفضل من العدل . ( 4 : 460 ) الطّباطبائيّ : معنى الآية واضح ، وهي بظاهرها تدلّ على أنّ الّذي تجزى به كلّ نفس ، هو عين ما كسبته من حسنة أو سيّئة ، وإن تبدلّت صورته ، فهي من الآيات الدّالّة على أنّ الّذي يلحق بهم يوم القيامة هو نتيجة أعمالهم . فالآية تفسّر أوّلا : معنى الجزاء في يوم الجزاء ، وثانيا : معنى انتقامه تعالى يومئذ ، وأنّه ليس من قبيل عقوبة المجرم العاصي تشفّيا منه ، بل إلحاق ما يستدعيه عمل المجرم به ، وإن شئت فقل : إيصال ما اكتسبه المجرم بعينه إليه . وفي تعليل هذا الجزاء ، وهو في يوم القيامة بقوله : إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسابِ إيماء إلى أنّ الجزاء واقع من غير فصل ومهل ، إلّا أنّ ظرف ظهوره هو ذلك اليوم لا غير ، أو أنّ الحكم بالجزاء وكتابته واقع عند العمل وتحقّقه يوم القيامة ، ومآل الوجهين واحد في الحقيقة . ( 12 : 90 ) عبد الكريم الخطيب : هو تعليل لهذا البلاء العظيم