مجمع البحوث الاسلامية

478

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

خلقهم في هذا العالم ومن غير واسطة تكليفهم ، لما كان خلقهم وتكليفهم معلّلا بإيصال تلك النّعم إليهم ، وظاهر الآية يدلّ على ذلك . والجواب : هذا بناء على صحّة تعليل أحكام اللّه تعالى وهو باطل ، سلّمنا صحّته . إلّا أنّ كلامه إنّما يصحّ لو علّلنا بدء الخلق وإعادته بهذا المعنى ، وذلك ممنوع . فلم لا يجوز أن يقال : إنّه يبدأ الخلق لمحض التّفضّل ، ثمّ إنّه تعالى يعيدهم لغرض إيصال نعم الجنّة إليهم ؟ وعلى هذا التّقدير : سقط كلامه . ( 17 : 30 ) ابن عربيّ : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً بالعود إلى عين الجمع المطلق ، في القيامة الصّغرى ، كما هو الآن . أو إلى عين جمع الذّات بالفناء فيه ، عند القيامة الكبرى . وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ في النّشأة الأولى ، ثُمَّ يُعِيدُهُ في النّشأة الثّانية ، ( ليجزى ) المؤمن والكافر ، على حسب إيمانهم ، وعملهم الصّالح ، وكفرهم ، وعملهم الفاسد ، وهذا على التّأويل الأوّل . وعلى الثّاني : يَبْدَؤُا الْخَلْقَ باختفائه ، وإظهارهم ، ثمّ يعيدهم بإفنائهم وظهوره لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ما يصلحهم للقائه ، من الأعمال الرّافعة لحجبهم ، للقربة إيّاهم ( بالقسط ) بحسب ما بلغوا من المقامات بأعمالهم ، من مواهبه الحاليّة والذّوقيّة ، الّتي يقتضيها مقامهم ، وشوقهم ، أو ليجزي الّذين آمنوا الإيمان الحقيقيّ ، وعملوا باللّه الأعمال الّتي تصلح العباد ، أي جزاء بالتّكميل بقسطهم ، أي بسبب عدلهم في زمان الاستقامة ، أو جزاء بحسب رتبتهم ، ومقامهم في الاستقامة . ( 1 : 521 ) البيضاويّ : . . . والتّنبيه على أنّ المقصود بالذّات من الإبداء والإعادة هو الإثابة ، والعقاب واقع بالعرض ، وأنّه تعالى يتولّى إثابة المؤمنين ، بما يليق بلطفه وكرمه ، ولذلك لم يعيّنه . وأمّا عقاب الكفرة فكأنّه داء ساقه إليهم سوء اعتقادهم وشؤم أفعالهم . والآية كالتّعليل لقوله : إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فإنّه لمّا كان المقصود من الإبداء والإعادة مجازاة اللّه المكلّفين على أعمالهم ، كان مرجع الجميع إليه لا محالة ، ويؤيّده قراءة من قرأ ( أنّه يبدأ ) بالفتح ، أي لأنّه . ويجوز أن يكون منصوبا أو مرفوعا بما نصب ( وعد اللّه ) أو بما نصب ( حقّا ) . ( 1 : 439 ) نحوه النّسفيّ ( 2 : 153 ) ، والمشهديّ ( 4 : 330 ) ، والقاسميّ ( 9 : 3324 ) . النّيسابوريّ : قال المفسّرون : في الآية إضمار ، والتّقدير : أنّه يبدأ الخلق ليأمرهم بالعبادة ، ثمّ يميتهم ثمّ يعيدهم ليجزي . وإنّما حسن هذا الحذف ، لتقدّم قوله : ( فاعبدوه ) ولأنّ الإعادة لا تكون إلّا بعد الإماتة والإعدام . [ ثمّ ذكر نحو الزّمخشريّ إلى أن قال : ] وفي قوله : وَالَّذِينَ كَفَرُوا من غير أن يدخل لام العاقبة في الجملة كما أدخلها في الأولى ، دليل على أنّه خلق الخلق للرّحمة لا للعذاب ، وإنّما جاء التّعذيب لغرض وقوعهم في طريق القهر . ( 11 : 52 ) أبو حيّان : و ( بالقسط ) معناه بالعدل ، وهو متعلّق بقوله : ( ليجزى ) أي ليثيب المؤمنين بالعدل والإنصاف في جزائهم ، فيوصل كلّا إلى جزائه وثوابه ، على حسب تفاضلهم في الأعمال ، فينصف بينهم ويعدل ؛ إذ ليسوا