مجمع البحوث الاسلامية
459
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
عَذابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فيبدو أنّ لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ جواب عن إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعاً أي نسلّم أنّكم كنتم لنا تبعا لكن لو كان اللّه هدانا لهديناكم ، ولكنّا ضلّلناكم ، لأنّ اللّه لم يهدنا - وهذا كذب منهم - . وقوله : سَواءٌ عَلَيْنا . . . جواب عن قول الضّعفاء فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا أي حالنا وحالكم سواء في العذاب ولا محيص لنا عنه ، سواء جزعنا أم صبرنا ، لو استطعنا دفع العذاب لدفعناه عن أنفسنا قبل دفعه عنكم ، وهذا هو الظّاهر من سياق الآية . ثانيها : أن يكون من كلام الضّعفاء منفصلا عمّا قبله ، وهو لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ فإنّه كلام المستكبرين قولا واحدا . فقالوه تعقيبا على اليأس الّذي جاءهم من جواب المستكبرين ، أي إذا كان الحال كما تقولون ، فلا محيص لنا من العذاب سواء جزعنا أم صبرنا . ثالثها : أن يكون صوتا مردّدا بين الفريقين ، فإنّهما جميعا في قبضة العذاب ولن يفلتوا منه أبدا . رابعها : فصلها عن قول الفريقين ، وإرجاعها إلى قول بعض أهل النّار لبعضهم ، كما روي عن ابن زيد وأبيّ ومقاتل ، وهذا لا يماشي سياق الآية ، فلاحظ . 2 - ظاهر لَوْ هَدانَا اللَّهُ لَهَدَيْناكُمْ أنّ اللّه لو هدانا في الدّنيا لهديناكم فيها ، لكنّ الشّيخ مغنيّة خصّ الهداية بالآخرة ، فقال : « لو استطعنا دفع العذاب لدفعناه عن أنفسنا ، هذا هو المراد من الهداية هنا ولا يستقيم إلّا به » وهو خلاف الظّاهر . 3 - قالوا : إنّ الجزع هو الحزن الشّديد ، أو انزعاج النّفس بورود ما يغمّها ، ونقيضه الصّبر ، فجعلوهما أمرين نفسانيّين . ونقول : الصّبر هكذا ، فهو أمر نفسانيّ لا صوت له ، أمّا الجزع فله صوت ، فالمراد به إظهار الحزن فعلا أو قولا ، ويؤيّده قول ابن عبّاس فيها : « أصحنا وتضرّعنا » كما يؤيّده قول الطّوسيّ في ( 2 ) « الجزع : ظهور الفزع بحال تنبئ عنه » . ثانيا : في ( 2 ) بحوث أيضا : 1 - الأوصاف الثّلاثة : ( هلوعا ، جزوعا ، منوعا ) صيغ مبالغة ، فالهلوع : شديد الحرص ، والجزوع : شديد الجزع ، والمنوع : شديد المنع . ويبدو أنّ الجملتين الأخيرتين تفسير للأولى ، أي إنّ الإنسان شديد الحرص ، وأثر حرصه يختلف في حالتي إصابة الشّرّ والخير ، فهو شديد الجزع عند الشّرّ ؛ إذ لم يصل إلى ما حرص عليه ، وشديد المنع والإمساك عند الخير احتفاظا بما حرص عليه . 2 - وفي إعراب الثّلاثة خلاف ، قال الطّبرسيّ ( 5 : 355 ) : « إنّها منصوبة على الحال ، والتّقدير : خلق هلوعا : جزوعا إذا مسّه الشّرّ ، منوعا إذا مسّه الخير » وظاهره أنّها جميعا أحوال ثلاثة للضّمير المستتر في ( خلق ) ، وهذا مقبول في ( هلوعا ) . أمّا الأخيرتان فكلّ واحد منهما حال عن جزاء الشّرط المقدّر بعده ، أي إذا مسّه الشّرّ مسّه جزوعا ، وإذا مسّه الخير مسّه منوعا ، ولك أن تقدّر الجزاء « كان جزوعا وكان منوعا » . وحينئذ فهما خبران ل ( كان ) . ونظيره وَإِذا أَنْعَمْنا عَلَى الْإِنْسانِ أَعْرَضَ وَنَأى بِجانِبِهِ وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ كانَ يَؤُساً الإسراء : 83 . وقال الآلوسيّ : « و ( إذا ) الأولى ظرف ل ( جزوعا ) ،