مجمع البحوث الاسلامية
391
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
فاطر : 18 ، لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ البقرة : 286 ، وتقدّم هذا المعنى بما هو أعمّ ممّا هنا وهو وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ يونس : 41 ، وقد أثبت عليهم الإجرام هنا ، ومنه أو أشدّه تكذيبه ووصفه بالافتراء على اللّه عزّ وجلّ ، وهذا الأسلوب من الجدال بالّتي هي أحسن يستخفّه السّمع ، ويقبله الطّبع . ( 12 : 72 ) نحوه المراغيّ . ( 12 : 312 ) الطّباطبائيّ : أصل الجرم - على ما ذكره الرّاغب في مفرداته - : قطع الثّمرة من الشّجرة ، وأجرم أي صار ذا جرم ، واستعير لكلّ اكتساب مكروه ، فالجرم بضمّ الجيم وفتحها ، بمعنى الاكتساب المكروه ، وهو المعصية . والآية واقعة موقع الاعتراض ، والنّكتة فيه أنّ دعوة نوح واحتجاجاته على وثنيّة قومه ، وخاصّة ما أورده اللّه تعالى في هذه السّورة من احتجاجه ، أشبه شيء بدعوة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، واحتجاجه على وثنيّة أمّته . وإن شئت زيادة تصديق في ذلك فارجع إلى سورة الأنعام - وهي في الحقيقة سورة الاحتجاج - وقابل ما حكاه اللّه تعالى عن نوح في هذه السّورة وما أمر اللّه به النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم في تلك السّورة ، بقوله : قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ - إلى أن قال - وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ - إلى أن قال - قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذاً وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ * قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ ، الأنعام : 50 - 56 . ولك أن تطبّق سائر ما ذكر من حججه عليه السّلام في سورة نوح والأعراف ، على ما ذكر من الحجج في سورة الأنعام وفي هذه السّورة ، فتشاهد صدق ما ادّعيناه . ولهذه المشابهة والمناسبة ناسب أن يعطف بعد ذكر حجج نوح عليه السّلام في إنذاره قومه بأمر من اللّه سبحانه على ما اتّهموا النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ورموه بالافتراء على اللّه ، وهو لا ينذرهم ولا يلقي إليهم من الحجج إلّا كما أنذر به نوح عليه السّلام وألقاه من الحجج إلى قومه ، وهذا كما ينذر رسول الملك قومه والمتمرّدين المستنكفين عن الطّاعة ، ويلقي إليهم النّصح ويتمّ عليهم الحجّة ، فيرمونه بأنّه مفتر على الملك ولا طاعة ولا وظيفة ، فيرجع إليهم بالنّصح ثانيا ، ويذكر لهم قصّة رسول ناصح آخر من الملك إلى قوم آخرين نصح لهم بمثل ما نصح هو لهم فلم يتبصّروا به فهلكوا . فحيثما يذكر لهم حججه ومواعظه يبعثه الوجد والأسف إلى أن يتذكّر رميهم إيّاه بالافتراء ، فيأسف لذلك قائلا : إنّكم ترمونني بالافتراء ولم أذكر لكم إلّا ما بثّه هذا الرّسول في قومه من كلمة الحكمة والنّصيحة ، لا جرم إن افتريته فعليّ إجرامي ولا تقبلوا قولي ، غير أنّي بريء من عملكم . وقد عاد سبحانه إلى الأمر بمثل هذه المباراة ثانيا في آخر السّورة بعد إيراد قصص عدّة من الرّسل ، حيث قال : وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ - إلى أن قال - وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ * وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ هود : 120 - 122 . وذكر بعض المفسّرين أنّ الآية ، من تمام القصّة والخطاب فيها لنوح ، والمعنى أم يقول قوم نوح : افتراه