مجمع البحوث الاسلامية
377
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الكلام ، فقال : لا نسلّم أنّ صاحب الكبيرة مجرم ، والدّليل عليه أنّه تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن ، فإنّه قال في هذه الآية : وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ طه : 75 ، وقال : إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ المطفّفين : 29 ، وأيضا فإنّه قال : فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لا يَمُوتُ فِيها وَلا يَحْيى والمؤمن صاحب الكبيرة وإن عذّب بالنّار لا يكون بهذا الوصف ، وفي الخبر الصّحيح : « يخرج من النّار من كان في قلبه مثقال ذرّة من الإيمان » واعلم أنّ هذه الاعتراضات ضعيفة . أمّا قوله : إنّ اللّه تعالى جعل المجرم في مقابلة المؤمن فهذا مسلّم . لكن هذا إنّما ينفع لو ثبت أنّ صاحب الكبيرة مؤمن ، ومذهب المعتزلة أنّه ليس بمؤمن ، فهذا المعترض كأنّه بنى هذا الاعتراض على مذهب نفسه وذلك ساقط . قوله ثانيا : إنّه لا يليق بصاحب الكبيرة أن يقال في حقّه : إنّ له جهنّم لا يموت فيها ولا يحيى . قلنا : لا نسلّم فإنّ عذاب جهنّم في غاية الشّدّة ، قال تعالى : رَبَّنا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ آل عمران : 192 ، وأمّا الحديث فيقال : القرآن متواتر فلا يعارضه خبر الواحد . ويمكن أن يقال : ثبت في أصول الفقه أنّه يجوز تخصيص القرآن بخبر الواحد ، وللخصم أن يجيب فيقول : ذلك يفيد الظّنّ ، فيجوز الرّجوع إليه في العمليّات . وهذه المسألة ليست من العمليّات بل من الاعتقادات ، فلا يجوز المصير إليها هاهنا . فإن اعترض إنسان آخر ، وقال : أجمعنا على أنّ هذه الآية مشروطة بنفي التّوبة وبأن لا يكون عقابه محبطا بثواب طاعته ، والقدر المشترك بين الصّورتين هو أن لا يوجد ما يحبط ذلك العقاب ، ولكن عندنا العفو محبط للعقاب ، وعندنا أنّ المجرم الّذي لا يوجد في حقّه العفو لا بدّ وأن يدخل جهنّم . واعلم أنّ هذا الاعتراض أيضا ضعيف ، أمّا شرط نفي التّوبة فلا حاجة إليه ، لأنّه قال : مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً أي حال كونه مجرما ، والتّائب لا يصدق عليه أنّه أتى ربّه حال كونه مجرما . وأمّا صاحب الصّغيرة فلأنّه لا يسمّى مجرما ، لأنّ المجرم اسم للذّمّ فلا يجوز إطلاقه على صاحب الصّغيرة ، بل الاعتراض الصّحيح أن نقول : عموم هذا الوعيد معارض بما جاء بعده من عموم الوعد ، وهو قوله تعالى : وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحاتِ فَأُولئِكَ لَهُمُ الدَّرَجاتُ الْعُلى طه : 75 ، وكلامنا فيمن أتى بالإيمان والأعمال الصّالحة ثمّ أتى بعد ذلك ببعض الكبائر . فإن قيل : عقاب المعصية يحبط ثواب الطّاعة . قلنا : لم لا يجوز أن يقال : ثواب الإيمان يدفع عقاب المعصية ، فإن قالوا : لو كان كذلك لوجب أن لا يجوز لعنه وإقامة الحدّ عليه . قلنا : أمّا اللّعن فغير جائز عندنا ، وأمّا إقامة الحدّ عليه فقد تكون على سبيل المحنة كما في حقّ التّائب ، وقد تكون على سبيل التّنكيل ، قالت المعتزلة : قوله تعالى : وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ المائدة : 38 ، فاللّه تعالى نصّ على أنّه يجب عليه إقامة الحدّ على سبيل التّنكيل . وكلّ من كان