مجمع البحوث الاسلامية
285
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الطّائر إنّما يعلّم الصّيد بالأكل ، والفهد والكلب ، وما أشبههما يعلّمون بترك الأكل ، فهذا فرق ما بينهما . ( 2 : 292 ) الفخر الرّازيّ : فيه مسائل : المسألة الأولى [ في إعراب الآية ] . المسألة الثّانية : في الجوارح قولان : أحدهما : إنّها الكواسب من الطّير والسّباع ، واحدها : جارحة . سمّيت جوارح لأنّها كواسب ، من جرح واجترح ، إذا اكتسب ، قال تعالى : الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أي اكتسبوا ، وقال : وَيَعْلَمُ ما جَرَحْتُمْ بِالنَّهارِ أي ما كسبتم . والثّاني : أنّ الجوارح هي الّتي تجرح ، وقالوا : إنّ ما أخذ من الصّيد فلم يسل منه دم لم يحلّ . المسألة الثّالثة : نقل عن ابن عمر والضّحّاك والسّدّيّ : أنّ ما صاده غير الكلاب فلم يدرك ذكاته لم يجز أكله ، وتمسّكوا بقوله تعالى : ( مُكَلِّبِينَ ) ، قالوا : لأنّ التّخصيص يدلّ على كون هذا الحكم مخصوصا به . رغم الجمهور : أنّ قوله : وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ يدخل فيه كلّ ما يمكن الاصطياد به ، كالفهد والسّباع من الطّير : مثل الشّاهين والباشق والعقاب . قال اللّيث : سئل مجاهد عن الصّقر والبازي والعقاب والفهد وما يصطاد به من السّباع ، فقال : هذه كلّها جوارح . وأجابوا عن التّمسّك بقوله تعالى : ( مُكَلِّبِينَ ) من وجوه : الأوّل : أنّ المكلّب هو مؤدّب الجوارح ومعلّمها أن تصطاد لصاحبها ، وإنّما اشتقّ هذا الاسم من « الكلب » لأنّ التّأديب أكثر ما يكون في الكلاب ، فاشتّق منه هذا اللّفظ لكثرته في جنسه . الثّاني : أنّ كلّ سبع فإنّه يسمّى كلبا ، ومنه قوله عليه الصّلاة والسّلام : « اللّهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك ، فأكله الأسد » . الثّالث : أنّه مأخوذ من الكلب الّذي هو بمعنى الضّراوة ، يقال : فلان كلب بكذا ، إذا كان حريصا عليه . والرّابع : هب أنّ المذكور في هذه الآية إباحة الصّيد بالكلب ، لكن تخصيصه بالذّكر لا ينفي حلّ غيره ، بدليل أنّ الاصطياد بالرّمي ووضع الشّبكة جائز ، وهو غير مذكور في الآية ، واللّه أعلم . المسألة الرّابعة : دلّت الآية على أنّ الاصطياد بالجوارح إنّما يحلّ إذا كانت الجوارح معلّمة ، لأنّه تعالى قال : وَما عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ ، وقال صلّى اللّه عليه وسلّم لعديّ بن حاتم : إذا أرسلت كلبك المعلّم وذكرت اسم اللّه فكل . [ ثمّ ذكر الأمور الّتي يكون فيها الكلب معلّما عنه الشّافعيّ والحسن البصريّ وأبي حنيفة وغيرهم وأضاف ] المسألة الخامسة : الكلّاب ، والمكلّب هو الّذي يعلّم الكلاب الصّيد ، فمكلّب صاحب التّكليب كمعلّم صاحب التّعليم ، ومؤدّب صاحب التّأديب . قال صاحب « الكشّاف » : وقرئ ( مكلّبين ) بالتّخفيف ، وأفعل وفعّل يشتركان كثيرا . ( 11 : 142 ) القرطبيّ : أي وصيد ما علّمتم ، ففي الكلام إضمار لا بدّ منه ، ولولاه لكان المعنى يقتضي أن يكون الحلّ المسؤول عنه متناولا للمعلّم من الجوارح المكلّبين ، وذلك ليس مذهبا لأحد . فإنّ الّذي يبيح لحم الكلب