مجمع البحوث الاسلامية

258

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

3 - قالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنا أَشَدُّ عَذاباً وَأَبْقى طه : 71 يلاحظ أوّلا : أنّه جاء في ( 1 ) و ( 2 ) ( جذع النّخلة ) واللّام للعهد الحضوريّ ، أي كانت هناك نخلة حاضرة ؛ إذ لم يسبق ذكر لها ولا سيّما في ( 1 ) كي تكون للعهد الذّكريّ ، ولا معنى للجنس هنا وإلّا لكانت نكرة « جذع نخلة » . قالوا : كانت هناك نخلة يابسة ، والتجأت مريم إليها من شدّة المخاض . وقد عبّر القرآن عن هذه الحالة بألطف بيان : فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ أي كأنّها أخذت وجلبت إلى النّخلة بغير اختيارها ، تعبيرا عن صعوبة مرضها وشدّة وجعها . وقد جاءت ( اجاءه ) بمعنى اضطرّه وألجأه - لاحظ ج ي ء - فاخضرّت النّخلة إعجازا ، وتساقطت عليها رطبا جنيّا . وفي ذلك يقول الطّباطبائيّ : « التّعبير ب ( جذع النّخلة ) دون ( النّخلة ) مشعر بكونها يابسة غير مخضرّة . . . ونسبة الهزّ إلى الجذع والمساقطة إلى النّخلة لا يخلو من إشعار بأنّ النّخلة كانت يابسة ، وإنّما اخضرّت وأورقت وأثمرت رطبا جنيّا لساعتها » . ونقول : جاء في اللّغة « الجذع » من الشّجر تارة بمعنى أصلها وساقها ، وأخرى ، بمعنى فرعها وغصنها ؛ فبأيّ المعنيين تشعر بكونها يابسة ! وقد أريد بها معنى واحد في الموردين . فإن جاءت إليها لتعتمد عليها أو لتحتضنها - كما قيل - فالأنسب هو الأوّل ، وإن جاءت لتستتر بها ، فالثّاني ، ولا إشعار في شيء منهما بكونها يابسة ، لو لم يشعر الثّاني بكونها مخضرّة ؛ إذ لا يستتر بنخلة يابسة ، ويؤيّده أنّ الهزّ تعلّق بالجذع دون النّخلة ، والنّخلة لا تهزّ ، لأنّها كبيرة لا تتحرّك بالهزّ ، ولا تساقط به رطبا . وقد أيّدوا كونها يابسة بأنّ ذلك كانت تسلية لمريم في تلك الحالة الشّاقّة جسما وروحا ؛ حيث كانت مظنّة السّوء فسلّاها اللّه بالنّخلة اليابسة الّتي اخضرّت وأثمرت وساقطت عليها رطبا فأكلته ، فكانت آية لها بأنّ اللّه قادر أن يرزقها ولدا من دون أن يمسّها رجل ، وأن يرفع عنها مظنّة السّوء . إضافة إلى أنّ مواجهتها بتلك الحادثة العجيبة الخارقة للعادة صرفتها طبعا عن قلقها النّفسانيّ وألمها الجسمانيّ معا ، في لحظة هي أمسّ حاجة إليها من كلّ زمان . وإلى أنّ الرّطب - كما قيل - دواء وعلاج للمرأة حال النّفاس - وهي خرسة النّفساء على حدّ تعبير الزّمخشريّ - فعالجها اللّه بذلك جسما وروحا . وإلى ما نبّه عليه الفخر الرّازيّ : من أنّ الأنثى لا تلد إلّا بالذّكر ، فكذا النّخلة لا تثمر إلّا عند اللّقاح ، فأثمرت تلك النّخلة من غير لقاح لتطمئنّ مريم على أنّها تأتي من اللّه بالولد من غير ذكر . وإلى ما نبّه عليه الزّمخشريّ : أنّ النّخلة أقلّ شيء صبرا على البرد ، وثمارها إنّما هي من جمّارها ، فكذلك الحامل أقلّ شيء صبرا على مخاضها . وإلى ما نبّه عليه الآلوسيّ من « أنّ اللّه أرشدها إلى النّخلة ، ليريها فيما هو أشبه الأشجار بالإنسان من آياته