مجمع البحوث الاسلامية

24

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ولا ينفقها في سبيل اللّه إنّما يطلب بها الوجاهة والتّنعّم بالغنى ، وبالمطاعم الشّهيّة والملابس البهيّة ، فتكوى جباههم لإزالة الوجاهة ، وجنوبهم وظهورهم لإزالة أثر تلك المطاعم والملابس . 4 - أنّها أشرف الأعضاء المشتملة على الأعضاء الرّئيسيّة الّتي هي الدّماغ والقلب والكبد ، ولأنّها أصول الجهات الأربع الّتي هي مقاديم البدن ومآخره وجنباه . 5 - أنّ الّذي يكنزها لحذره من أن يطّلع عليه أحد يلتفت يمينا وشمالا ، وأماما ووراء . ولا يكاد ينظر إلى فوق ، أو يتخيّل أنّ أحدا يطّلع عليه من تحت ، فلمّا كانت تلك الجهات الأربع مطمح نظره ومظنّة حذره ، دون الجهتين الآخرتين من الجهات السّتّ اقتصر عليها دونهما . 6 - إنّ الجهة موضع الوسم لظهورها ، والجنب موضع الألم ، والظّهر موضع الحدود . 7 - إنّ إمساكه عن إنفاقها نشأ عن خوفه الفقر الّذي هو الموت الأحمر ، لأنّه سبب الكدّ وعرق الجبين ، والاضطراب يمينا وشمالا ، وعدم استقرار الجنب لتحصيل المعاش ، مع خلوّه عمّا يستند إليه ظهره ، ويعوّل عليه في الملمّات ، فتكوى بها جزاء لما يخافه من الكدّ والاضطراب ، وعدم الاعتماد في هذه الأعضاء . 8 - لأنّهم خضعوا لتلك الأموال بالجباه ، لاذوا إليها بالجنوب ، واتّكؤوا عليها بالظّهور . 9 - وهذه الوجوه متقاربة لا يخلو شيء منها من لطف ، كما لا يخلو من ضعف . ويخطر بالبال وجه آخر : وهو أنّ الكيّ في هذه الأعضاء للّذين يكنزون الذّهب والفضّة كالعلامة لهؤلاء في جهنّم من بين أهلها ، كما أنّ اللّون الأحمر على ظهر الماشية ورأسها وعقبها علامة لصاحبها ، وقد جاء في الرّوايات علامات لكلّ طائفة من أهل النّار . فالكيّ عذاب وعلامة لهم معا ، وبذلك جمع اللّه لهم بين العذاب الجسمانيّ والروحانيّ . ثالثا : الَّذِينَ يَكْنِزُونَ في الآية عطف على صدر الآية : إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ . . . التّوبة : 34 . ولعلّها بيان وعلّة لها بمنزلة الكبرى للصّغرى ، أي إنّ هؤلاء الأحبار والرّهبان من أظهر مصاديق الّذين يكنزون الذّهب والفضّة ، وهم باعتبار منصبهم الّذي يحاكي الزّهد والإعراض عن الدّنيا يخفون الأموال الّتي اكتسبوها بالباطل ، ويكنزونها ذهبا وفضّة لئلّا يطّلع عليها أتباعهم ، فينكشف سرّهم ، ويظهر خبث باطنهم ، ويعرف أهل ملّتهم دغلهم وحيلهم ، فشخّصهم اللّه بهذه العلامات من بين أهل النّار ، وقد وبّخهم تهكّما في ذيل الآيتين ب فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ الانشقاق : 24 ، و فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ التّوبة : 35 ، وبذلك جمع لهم بين الألم الجسمانيّ والألم الرّوحيّ مرّة أخرى . رابعا : يبدو أنّ اختصاص هؤلاء بلفظ « الجباه » مرّة واحدة ، في سورة مدنيّة - والمدينة موطن اليهود ، وقد خصّ اللّه حوالي مئة من آيات سورة البقرة بهم - يكاد يكون إفشاء لسرّهم للمؤمنين ولأهل ملّتهم معا ، ليجتنبوا دسائسهم ، لاحظ « ح ب ر » ، و « ر ه ب » .