مجمع البحوث الاسلامية
226
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وقوله : فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ وإن كان ظاهره الخبر ، فهو نهي عن هذه الأفعال . وعبّر بلفظ النّفي عنها ، لأنّ المنهيّ عنه سبيله أن يكون منفيّا غير مفعول ، وهو كقوله في الأمر : وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ . . . يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ * البقرة : 233 ، 234 ، وما جرى مجراه صيغته صيغة الخبر ، ومعناه الأمر . ( 1 : 308 ) الطّوسيّ : وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ فالّذي رواه أصحابنا أنّه قول : لا واللّه ، وبلى واللّه ، صادقا وكاذبا . [ إلى أن قال : ] ومن نصب « الثّلاثة » أخرج اللّفظ مخرج عموم النّفي ، للمبالغة في معنى النّفي . ومن رفع بعضا ونصب بعضا ، فلاختلاف المعنى ، لأنّ الأوّل على معنى النّهي والثّاني بمعنى الإخبار عن زمان الحجّ : قد استدار في ذي الحجّة ، فكان أحقّ بالنّصب ، لعموم النّفي . فأمّا الأوّل ، فقد يقع من الخاطئ ، فلا يصحّ فيه عموم النّفي ، هذا قول النّحويّين . والصّحيح أنّ الكلّ معناه النّهي ، وإن خرج مخرج النّفي والإخبار ، والمراد به النّهي بلا خلاف . ( 2 : 164 ) نحوه الطّبرسيّ . ( 1 : 294 ) الواحديّ : هو أن يجادل صاحبه ويماريه حتّى يغضبه ، نهي المحرم عن هذا . وذكرنا وجه انتصاب قوله : فَلا رَفَثَ عند قوله : لا رَيْبَ فِيهِ البقرة : 2 . ومن قرأ بالرّفع شبّه « لا » ب « ليس » [ ثمّ استشهد بشعر ] ولم يختلفوا في نصب وَلا جِدالَ وذلك أنّ معنى الأوّلين : النّهي ، كأنّه قيل : لا ترفثوا ولا تفسقوا ، ومعنى الثالث : الخبر ، لأنّ معناه : لا جدال في أنّ الحجّ في ذي الحجّة . وهذا قول مجاهد وأبي عبيدة ، قالا : معناه : ولا شكّ في الحجّ أنّه في ذي الحجّة ، إبطالا للنّسيء الّذي كان يفعله أهل الجاهليّة . وأرادوا الفرق بين اللّفظين ، ليكون مخالفة ما بينهما في اللّفظ ، كمخالفة ما بينهما في المعنى . ( 1 : 301 ) الزّمخشريّ : ولأمراء مع الرّفقاء ، والخدم والمكّارين ، وإنّما أمر باجتناب ذلك - وهو واجب الاجتناب في كلّ حال - لأنّه في الحجّ أسمج ، كلبس الحرير في الصّلاة ، والتّطريب في قراءة القرآن ، والمراد بالنّفي وجوب انتفائها وأنّها حقيقة بأن لا تكون . وقرئ المنفيّات الثّلاث بالنّصب وبالرّفع . وقرأ أبو عمر وابن كثير الأوّلين بالرّفع والآخر بالنّصب ، لأنّهما حملا الأوّلين على معنى النّهي ، كأنّه قيل : فلا يكوننّ رفث ولا فسوق ، والثّالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال ، كأنّه قيل : ولا شكّ ولا خلاف في الحجّ ؛ وذلك أنّ قريشا كانت تخالف سائر العرب ، فتقف بالمشعر الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة ، وكانوا يقدّمون الحجّ سنة ويؤخّرونه سنة وهو النّسيء ، فردّ إلى وقت واحد وردّ الوقوف إلى عرفة ، فأخبر اللّه تعالى أنّه قد ارتفع الخلاف في الحجّ ، واستدلّ على أنّ المنهيّ عنه هو الرّفث والفسوق دون الجدال ، بقوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « من حجّ فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمّه » وأنّه لم يذكر الجدال . ( 1 : 346 ) نحوه البيضاويّ ( 1 : 108 ) ، والنّسفيّ ( 1 : 101 ) ، والشّربينيّ ( 1 : 131 ) ، وأبو السّعود ( 1 : 250 ) ، والآلوسيّ ( 2 : 86 ) .