مجمع البحوث الاسلامية

219

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بالكظم والسّورة بالأناة ، كما قال : ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ . * ( 3 : 207 ) ابن عطيّة : [ نقل بعض الأقوال ثمّ قال : ] والّذي يتوجّه في معنى الآية إنّما يتّضح مع معرفة الحال في وقت نزول الآية ، وذلك أنّ السّورة مكّيّة من بعد الآيات العشر الأول ، ولم يكن في ذلك الوقت قتال مفروض ولا طلب جزية ولا غير ذلك ، وكانت اليهود بمكّة وفيما جاورها ، فربّما وقع بينهم وبين بعض المؤمنين جدال واحتجاج في أمر الدّين وتكذيب ، فأمر اللّه تعالى المؤمنين ألّا يجادلوهم بالمحاجّة إلّا بالحسنى دعاء إلى اللّه تعالى وملاينة . . . ثمّ استثنى من ظلم منهم المؤمنين إمّا بفعل ، وإمّا بقول ، وإمّا بإذاية محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ، وإمّا بإعلان كفر فاحش كقول بعضهم : عزير بن اللّه ونحو هذا ، فإنّ هذه الصّنيفة استثنى لأهل الإسلام مقارضتها بالتّغيير عليها والخروج معها عن الّتي هي أحسن ، ثمّ نسخ هذا بعد بآية القتال والجزية ، وهذا قول قتادة . ( 4 : 320 ) الطّبرسيّ : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ وهم نصارى بني نجران ، وقيل : اليهود والنّصارى إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أي بالطّريق الّتي هي أحسن ، وإنّما يكون أحسن إذا كانت المناظرة برفق ولين ، لإرادة الخير والنّفع بها ، ومثله قوله : فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى طه : 44 ، والأحسن الأعلى في الحسن من جهة قبول العقل له ، وقد يكون أيضا أعلى في الحسن من جهة قبول الطّبع ، وقد يكون في الأمرين جميعا ، وفي هذا دلالة على وجوب الدّعاء إلى اللّه تعالى على أحسن الوجوه وألطفها ، واستعمال القول الجميل في التّنبيه على آيات اللّه وحججه . ( 4 : 287 ) الفخر الرّازيّ : لمّا بيّن طريقة إرشاد المشركين ونفع من انتفع ، وحصل اليأس ممّن امتنع بيّن طريقة إرشاد أهل الكتاب فقال : وَلا تُجادِلُوا أَهْلَ الْكِتابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ قال بعض المفسّرين : المراد منه لا تجادلوهم بالسّيف وإن لم يؤمنوا إلّا إذا ظلموا وحاربوا ، أي إذا ظلموا زائدا على كفرهم ، وفيه معنى ألطف منه ، وهو أنّ المشرك جاء بالمنكر على ما بيّنّاه فكان اللّائق أن يجادل بالأخشن ويبالغ في تهجين مذهبه وتوهين شبهه ، ولهذا قال تعالى في حقّهم : صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ البقرة : 17 ، وقال : لَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها وَلَهُمْ آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها الأعراف : 179 ، إلى غير ذلك . وأمّا أهل الكتاب فجاءوا بكلّ حسن إلّا الاعتراف بالنّبيّ عليه السّلام ، فوحّدوا وآمنوا بإنزال الكتب وإرسال الرّسل والحشر ، فلمقابلة إحسانهم يجادلون أوّلا بالأحسن ، ولا تستخفّ آراؤهم ولا ينسب إلى الضّلال آباؤهم ، بخلاف المشرك ، ثمّ على هذا فقوله : إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا تبيين له حسن آخر ، وهو أن يكون المراد إلّا الّذين أشركوا منهم بإثبات الولد للّه والقول بثالث ثلاثة . فإنّهم ضاهوهم في القول المنكر فهم الظّالمون ، لأنّ الشّرك ظلم عظيم ، فيجادلون بالأخشن من تهجين مقالتهم وتبيين جهالتهم ، ثمّ إنّه تعالى بيّن ذلك الأحسن فقدّم محاسنهم بقوله : وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلهُنا وَإِلهُكُمْ واحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ العنكبوت : 46 ، فيلزمنا اتّباع ما قاله لسكنه بين رسالتي في كتبكم فهو دليل مضيء . ( 25 : 75 )