مجمع البحوث الاسلامية

216

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

يريد به ظهور الحقّ بالمؤاخذة عليه ، من طريق ما يتسلّمه هو والنّاس ، أو بتسلّمه هو وحده ، في قوله أو حجّته . فينطبق ما ذكره تعالى من الحكمة والموعظة والجدال بالتّرتيب على ما اصطلحوا عليه في فنّ الميزان ، بالبرهان والخطابة والجدل . غير أنّه سبحانه قيّد الموعظة بالحسنة ، والجدال بالتّي هي أحسن . ففيه دلالة على أنّ من الموعظة ما ليست بحسنة ، ومن الجدال ما هو أحسن وما ليس بأحسن ولا حسن ، واللّه تعالى يأمر من الموعظة بالموعظة الحسنة ، ومن الجدال بأحسنه . ولعلّ ما في ذيل الآية من التّعليل بقوله : إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ يوضّح وجه التّقييد ، فمعناه أنّه سبحانه أعلم بحال أهل الضّلال في دينه الحقّ ، وهو أعلم بحال المهتدين فيه ، فهو يعلم أنّ الّذي ينفع في هذا السّبيل هو الحكمة والموعظة الحسنة والجدال الأحسن ، لا غير . والاعتبار الصّحيح يؤيّد ذلك ، فإنّ سبيله تعالى هو الاعتقاد الحقّ والعمل الحقّ . ومن المعلوم أنّ الدّعوة إليه بالموعظة مثلا ممّن لا يتّعظ بما يعظ به دعوة عملا إلى خلاف ما يدعو إليه القول ، والدّعوة إليه بالمجادلة مثلا بالمسلّمات الكاذبة الّتي يتسلّمها الخصم لإظهار الحقّ ، إحياء لحقّ بإحياء باطل ، وإن شئت فقل : إحياء حقّ بإماتة حقّ ، إلّا أن يكون الجدال على سبيل المناقضة . ومن هنا يظهر أنّ حسن الموعظة إنّما هو من حيث حسن أثره في الحقّ الّذي يراد به ، بأن يكون الواعظ نفسه متّعظا بما يعظ ، ويستعمل فيها من الخلق الحسن ما يزيد في وقوعها من قلب السّامع موقع القبول ، فيرقّ له القلب ، ويقشعرّ به الجلد ، ويعيه السّمع ، ويخشع له البصر . ويتحرّز المجادل ممّا يزيد في تهييج الخصم على الرّدّ والعناد ، وسوقه إلى المكابرة واللّجاج ، واستعمال المقدّمات الكاذبة وإن تسلّمها الخصم إلّا في المناقضة ، ويحترز سوء التّعبير والإزراء بالخصم وبما يقدّسه من الاعتقاد والسّبّ والشّتم ، وأيّ جهالة أخرى ، فإنّ في ذلك إحياء للحقّ بإحياء الباطل ، أي إماتة الحقّ كما عرفت . والجدال أحوج إلى كمال الحسن من الموعظة ، ولذلك أجاز سبحانه من الموعظة حسنتها ، ولم يجز من المجادلة إلّا الّتي هي أحسن . ثمّ إنّ في قوله : بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ أخذا بالتّرتيب من حيث الأفراد ، فالحكمة مأذون فيها بجميع أفرادها ، والموعظة منقسمة إلى حسنة وغير حسنة ، والمأذون فيها منهما هي الموعظة الحسنة ، والمجادلة منقسمة إلى حسنة وغير حسنة ، ثمّ الحسنة إلى الّتي هي أحسن وغيرها ، والمأذون فيها منها الّتي هي أحسن . والآية ساكتة عن توزيع هذه الطّرق بحسب المدعوّين بالدّعوة ، فالملاك في استعمالها من حيث المورد حسن الأثر وحصول المطلوب ، وهو ظهور الحقّ . فمن الجائز أن يستعمل في مورد جميع الطّرق الثّلاث ، وفي آخر طريقان أو طريق واحد حسب ما تستدعيه الحال ويناسب المقام . ( 12 : 371 )