مجمع البحوث الاسلامية
205
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
إلى أنّ السّورة الّتي بين أيدينا تحدّثت أكثر من مرّة عن الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ جاء ذلك في الآيتين ( 35 ) و ( 56 ) وهذه الآية . ونستفيد من القرائن أنّ المقصود ب ( آيات اللّه ) هي دلائل النّبوّة وعلائمها على الأكثر ، بالإضافة إلى ما تحويه الكتب السّماويّة . وطالما تتضمّن الكتب السّماويّة آيات التّوحيد ، والمسائل الخاصّة بالمبدأ والمعاد ، لذا فإنّ هذه القضايا مشمولة بجدال القوم وخصومتهم للحقّ . هل يستهدف التّكرار تأكيد قضيّة هذا الموضوع ؟ أم أنّ كلّ آية تختصّ بطرح وموضوع يختلف عن موضوع أختها ؟ إنّنا هنا نميل إلى الاحتمال الثّاني ؛ إذ يلاحظ ، أنّ لكلّ آية موضوع خاصّ . فالآية : ( 56 ) تتحدّث عن دواعي المجادلة وأهدافها ، أي الكبر والغرور ، في حين تتحدّث الآية : ( 35 ) عن عقابهم الدّنيويّ ، متمثّلا بأن ختم اللّه على قلوبهم . أمّا الآية الّتي نتحدّث عنها الآن فهي تتحدّث عن العقاب الأخرويّ ، وأوصافهم في النّار ذات السّعير . من الضّروريّ أن نشير أيضا إلى أنّ ( يجادلون ) فعل مضارع يدلّ على الاستمرار . وهذه إشارة إلى أنّ مثل هؤلاء الأفراد الّذين يكذّبون بآيات اللّه لتبرير عقائدهم وأعمالهم السّيّئة المشينة ، إنّما يقومون بالمجادلة بشكل مستمرّ من خلال الأقوال والذّرائع الواهية . ( 15 : 292 ) يجادلونك 1 - . . . حَتَّى إِذا جاؤُكَ يُجادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ . الأنعام : 25 ابن عبّاس : يسألونك ما ذا أنزل من القرآن . ( 107 ) هم المشركون يجادلون المسلمين في الذّبيحة ، يقولون : أمّا ما ذبحتم وقتلتم فتأكلون ، وأمّا ما قتل اللّه فلا تأكلون ، وأنتم تتّبعون أمر اللّه تعالى . ( الطّبريّ 7 : 171 ) الحسن : إنّهم كانوا يجادلونه بما ذكره اللّه تعالى من قوله عنهم : إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ . ( الماورديّ 2 : 104 ) الطّبريّ : يخاصمونك . ( 7 : 171 ) نحوه القمّيّ ( 1 : 196 ) ، والواحديّ ( 2 : 261 ) ، والخازن ( 2 : 104 ) . الطّوسيّ : يعني أنّهم إذا دخلوا إليه بالنّهار إنّما يجيؤون مجيء مخاصمين مجادلين رادّين مكذّبين ، ولم يكونوا يجيؤون مجيء من يريد الرّشاد والنّظر في الدّلالة ، الدّالّة على توحيد اللّه ونبوّة نبيّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكانوا يريدون ذلك بأن يقولوا : هذا أساطير الأوّلين . ( 4 : 111 ) نحوه الطّبرسيّ . ( 2 : 286 ) الزّمخشريّ : والمعنى : أنّه بلغ تكذيبهم الآيات إلى أنّهم يجادلونك ويناكرونك . وفسّر مجادلتهم بأنّهم يقولون : إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ . ( 2 : 12 ) مثله النّسفيّ ( 2 : 8 ) ، ونحوه الفخر الرّازيّ ( 12 : 188 ) ، والنّيسابوريّ ( 7 : 89 ) ، وأبو السّعود ( 2 : 368 ) ، والقاسميّ ( 6 : 2276 ) .