مجمع البحوث الاسلامية

194

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

لفظ ذلك الأمر ، وكان ذلك الأمر مشروطا بشرط ، فاختلفوا في أنّ ذلك الشّرط هل حصل في ذلك القوم أم لا فحصلت المجادلة بسببه ، وبالجملة نرى العلماء في زماننا يجادل بعضهم بعضا عند التّمسّك بالنّصوص ، وذلك لا يوجب القدح في واحد منها ، فكذا هاهنا . ( 18 : 29 ) نحوه النّيسابوريّ . ( 12 : 46 ) أبو حيّان : [ ذكر كلام الزّمخشريّ ثمّ قال : ] وقيل : الجواب ( يجادلنا ) وضع المضارع موضع الماضي ، أي جادلنا ، وجاز ذلك لوضوح المعنى ، وهذا أقرب الأقوال . وقيل : ( يجادلنا ) حال من إبراهيم ، وَجاءَتْهُ حال أيضا أو من ضمير في ( جاءته ) ، وجواب ( لمّا ) محذوف ، تقديره : قلنا : يا إبراهيم أعرض عن هذا ، واختار هذا التّوجيه أبو عليّ . وقيل : الجواب محذوف ، تقديره : ظلّ أو أخذ يجادلنا ، فحذف اختصارا لدلالة ظاهر الكلام عليه . والمجادلة قيل : هي سؤاله العذاب واقع بهم لا محالة أم على سبيل الإخافة ليرجعوا إلى الطّاعة . وقيل : تكلّما على سبيل الشّفاعة ، والمعنى تجادل رسلنا . ( 5 : 245 ) أبو السّعود : أي جادل رسلنا في شأنهم . وعدل إلى صيغة الاستقبال لاستحضار صورتها . أو طفق يجادلنا ظاهرة . وأمّا إن فسّرت ببشارة الولد أو بما يعمّها ، فلعلّ سببيّتها لها من حيث إنّها تفيد زيادة اطمئنان قلبه ، بسلامته وسلامة أهله كافّة . [ ثمّ قال نحو ما تقدّم عن ابن إسحاق ] ( 3 : 335 ) البروسويّ : أي جادل وخاصم رسلنا ، لأنّه صرّح في سورة العنكبوت بكون المجادلة مع الرّسل . وجيء بجواب ( لمّا ) مضارعا مع أنّه ينبغي أن يكون ماضيا ، لكونها موضوعة للدّلالة على وقوع أمر في الماضي لوقوع غيره فيه ، على سبيل الحكاية الماضية فِي قَوْمِ لُوطٍ في شأنهم وحقّهم ، لرفع العذاب ، جدال الضّعيف مع القويّ لا جدال القويّ مع الضّعيف بل جدال المحتاج الفقير مع الكريم الغنيّ ، وجدال الرّحمة والمعاطفة وطلب النّجاة للضّعفاء والمساكين الهالكين . وكان لوط ابن أخيه ، وهو لوط بن آزور ابن آزر وإبراهيم بن آزر ، ويقال : ابن عمّه ، وسارة كانت أخت لوط ، فلمّا سمعا بهلاك قوم لوط اغتمّا لأجل لوط ، فطفق إبراهيم يجادل الرّسل حين قالوا : إنّا مهلكوا أهل هذه القرية ، فقال : أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلا . [ وذكر الأربعين والثّلاثين حتّى بلغ ] خمسة ، قالوا : لا ، قال : أرأيتم إن كان فيها رجل واحد مسلم أتهلكونها ؟ قالوا : لا ، فعند ذلك قال : إِنَّ فِيها لُوطاً قالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيها لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ التّوبة : 114 ، غير عجول على الانتقام ممّن أساء إليه ، أواه : كثير التّأوّه على الذّنوب والتّأسّف على النّاس . [ إلى أن قال : ] فتبيّن أنّ رقّة القلب حملته على المجادلة فيهم رجاء أن يرفع عنهم العذاب ويمهلوا لعلّهم يحدثون التّوبة والإنابة ، كما حملته على الاستغفار لأبيه . يقول الفقير : دلّت الآية على أنّ المجادلة وقعت في قوم لوط ، ودلّت التّفاسير على أنّها وقعت في لوط نفسه