مجمع البحوث الاسلامية

99

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

واعتقدوا الإيمان وأخلصوه ، لأنّ الإيمان ليس بمكان يتبوّأ ، كقوله تعالى : فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكاءَكُمْ يونس : 71 ، أي وادعوا شركاءكم ، ذكره أبو عليّ ، والزّمخشريّ وغيرهما ، ويكون من باب قوله : * علفتها تبنا وماء باردا * ويجوز حمله على حذف المضاف ، كأنّه قال : تبوّأوا الدّار ومواضع الإيمان . ويجوز حمله على ما دلّ عليه ( تبوّأ ) ، كأنّه قال : لزموا الدّار ولزموا الإيمان فلم يفارقوهما . ويجوز أن يكون تبوّأ الإيمان على طريق المثل ، كما تقول « تبوّأ من بني فلان الصّميم » والتّبوّؤ : التّمكّن والاستقرار . وليس يريد أنّ الأنصار آمنوا قبل المهاجرين ، بل أراد آمنوا قبل هجرة النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم إليهم . ( 18 : 20 ) نحوه أبو السّعود . ( 6 : 227 ) أبو حيّان : وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا . . . معطوف على المهاجرين وهم الأنصار ، فيكون قد وقع بينهم الاشتراك فيما يقسّم من الأموال . وقيل : هو مستأنف مرفوع بالابتداء ، والخبر ( يحبّون ) . أثنى اللّه تعالى بهذه الخصال الجليلة ، كما أثنى على المهاجرين بقوله : يَبْتَغُونَ فَضْلًا الحشر : 8 ، و ( الايمان ) معطوف على ( الدّار ) وهي المدينة . والإيمان ليس مكانا فيتبوّأ ، فقيل : هو من عطف الجمل ، أي واعتقدوا الإيمان وأخلصوا فيه ، قاله أبو عليّ ، فيكون كقوله : * علفتها تبنا وماء باردا * أو يكون ضمّن ( تبوّءوا ) معنى لزموا ، واللّزوم قدر مشترك في الدّار والإيمان ، فيصحّ العطف . أو لمّا كان الإيمان قد شملهم ، صار كالمكان الّذي يقيمون فيه . لكن يكون ذلك جمعا بين الحقيقة والمجاز . [ ثمّ ذكر قول الزّمخشريّ ، وابن عطيّة المتقدّمين ] ( 8 : 247 ) الشّربينيّ : أي جعلوا بغاية جهدهم ( الدّار ) أي الكاملة في الدّور الّتي جعلها اللّه تعالى في الأزل للهجرة ، وهيّأها للنّصرة ، وجعلها محلّ إقامتهم . وفي قوله تعالى : ( والايمان ) أوجه : أحدها : أنّه ضمّن ( تبوّءو ) معنى لزموا ، فيصحّ عطف ( الايمان ) عليه ؛ إذ الإيمان لا يتبوّأ . ثانيها : أنّه منصوب بمقدّر ، أي واعتقدوا أو وألفوا أو وأحبّوا أو وأخلصوا . [ ثمّ استشهد بشعر ] ثالثها : أنّه يتجوّز في الإيمان ، فيجعل لاختلاطه بهم وثباتهم عليه كالمكان المحيط بهم ، فكأنّهم نزلوه . وعلى هذا فيكون جمع بين الحقيقة والمجاز في كلمة واحدة ، وفيه خلاف مشهور . رابعها : أن يكون الأصل : دار الهجرة ودار الإيمان ، فأقام لام التّعريف في ( الدّار ) مقام المضاف إليه ، وحذف المضاف من دار الإيمان ، ووضع المضاف إليه مقامه . خامسها : أن يكون سمّي المدينة به ، لأنّها دار الهجرة ومكان ظهور الإيمان . قال هذين الوجهين الزّمخشريّ ، وليس فيه إلّا قيام « أل » مقام المضاف إليه . وهو محلّ خلاف ، وهو أنّ « أل » هل تقوم مقام الضّمير المضاف إليه ؟