مجمع البحوث الاسلامية
871
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
أواظب على تلاوته لتكشف لي حقائقه في تلاوته شيئا فشيئا ، فإنّه كلّما تفكّر التّالي العالم تجلّت له معان جديدة كانت في حجب مخفيّة ، ولذا لا يشبع العلماء من تلاوة القرآن ، وهو السّرّ في أنّه كان آخر وردهم ، لأنّ المنكشف أوّلا للعارفين حقائق الآفاق ثمّ حقائق الأنفس ثمّ حقائق القرآن . فعليك بتلاوة القرآن كلّ يوم ، ولا تهجره كما يفعل ذلك طلبة العلم وبعض المتصوّفة ، زاعمين بأنّهم قد اشتغلوا بما هو أهمّ من ذلك وهو كذب ، فإنّ القرآن مادّه كلّ علم في الدّنيا ، ويستحبّ لقارئ القرآن في المصحف أنيجهر بقراءته ، ويضع يده على الآية يتبعها ، فيأخذ اللّسان حظّه من الرّفع ويأخذ البصر حظّه من النّظر واليد حظّها من المسّ . وسماع القرآن أشرف أرزاق الملائكة السّيّاحين وأعلاها ، ومن لم تتيسّر له تلاوة القرآن فليجلس لبثّ العلم لأجل الأرواح الّذين غذاؤهم العلم ، لكن لا يتعدّى علوم القرآن . والطّهارة الباطنة للأذنين تكون باستماع القول الحسن ، فإنّه ثمّ حسن وأحسن ، فأعلاه حسنا : ذكر اللّه القرآن ، فيجمع بين الحسنين ، فليس أعلى من سماع ذكر اللّه بالقرآن ، مثل كلّ آية لا يكون مدلولها إلّا ذكر اللّه ، فإنّه ما كلّ آية تتضمّن ذكر اللّه فإنّ فيه حكاية الأحكام المشروعة ، وفيه قصص الفراعنة ، وحكايات أقوالهم وكفرهم ، وإن كان في ذلك الأجر العظيم من حيث هو قرآن بالإصغاء إلى القارئ إذا قرأ من نفسه أو غيره ، فعلم أنّ « ذكر اللّه » إذا سمع في القرآن أتمّ من سماع قول الكافرين في اللّه ما لا ينبغي ، كذا في « الفتوحات » . واعلم أنّ خلق النّبيّ عليه السّلام كان القرآن ، فانظر في تلاوتك إلى كلّ صفة مدح اللّه بها عباده فافعلها أو اعزم على فعلها ، وكلّ صفة ذمّ اللّه بها عباده على فعلها فاتركها أو اعزم على تركها ، فإنّ اللّه تعالى ما ذكر لك ذلك وأنزله في كتابه إلّا لتعمل به . فإذا حفظت القرآن عن تضييع العمل به كما حفظته تلاوة ، فأنت الرّجل الكامل . [ إلى أن قال : ] وهذه الآية منسوخة بآية السّيف . وفي « التّأويلات النّجميّة » : فيه إشارة إلى أنّ نور القرآن يربيّ جوهر الهداية والضّلالة في معدن قلب الإنسان السّعيد والشّقيّ ، كما يربيّ ضوء الشّمس الذّهب والحديد في المعادن ، يدلّ عليه قوله تعالى : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً البقرة : 26 ، وقال عليه السّلام : « النّاس كمعادن الذّهب والفضّة » . ( 6 : 378 ) شبّر : وَأَنْ أَتْلُوَا الْقُرْآنَ عليكم أدعوكم إلى ما فيه أو اتّبعه . ( 4 : 445 ) الآلوسيّ : أي أواظب على قراءته على النّاس بطريق تكرير الدّعوة وتثنيته الإرشاد ، لكفايته في الهداية إلى طريق الرّشاد . وقيل : أي أواظب على قراءته لينكشف لي حقائقه الرّائقة المخزونة في تضاعيفه شيئا فشيئا ، فإنّ المواظبة على قراءته من أسباب فتح باب الفيوضات الإلهيّة والأسرار القدسيّة . وقد حكي أنّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم ، قام ليلة يصلّي فقرأ قوله تعالى : إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ المائدة : 118 ، فما زال يكرّرها ويظهر له