مجمع البحوث الاسلامية

753

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

نعم ، قيل : لو أريد ترك الجدال بالقرآن إلى الجلاد والضّرب والطّعان - لأنّ هذه السّورة مكّيّة نازلة قبل الأمر بالقتال - صحّ ، لكن في « الكشف » بعد كلام : اعلم لو أخذت التّأمّل لاستبان لك أنّ مبنى هذه السّورة الكريمة على إرشاده - تعالى كبرياؤه - نبيّه صلّى اللّه تعالى عليه وسلّم إلى كيفيّة الدّعوة من مفتتحها إلى مختتمها ، وإلى ما يعتري لمن تصدّى لهذه الرّتبة السّنيّة من الشّدائد واحتماله ، لما يترتّب عليه في الدّارين من العوائد ، لا على التّسلّي له عليه الصّلاة والسّلام ، فإنّه لا يطابق المقام . وانظر إلى الخاتمة الجامعة ، أعني قوله سبحانه : وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ هود : 123 ، تقض العجب ، وهو يبعد هذه الإرادة إن قلنا : إنّ ذلك من باب التّخفيف المؤذن بالتّسلّي ، فتأمّله . ( 12 : 18 ) رشيد رضا : المتبادر إلى الفهم من جملة ( لعلّ ) بحسب موقعها هنا الاستفهام الإنكاريّ ، المراد به النّهي أو النّفي ، أي أفتارك أنت أيّها الرّسول بعض ما يوحى إليك ممّا يشقّ سماعه على المشركين ، من الأمر بالتّوحيد والنّهي عن الشّرك والإنذار والوعيد الشّديد لهم والنّعي عليهم ، وضائق به صدرك أن تبلّغهم إيّاه كلّه ، كما أنزل كراهة أَنْ يَقُولُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ . ( 12 : 29 ) الطّباطبائيّ : لمّا كانت رسالة النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله بما أيّدت به من القرآن الكريم والآيات البيّنات والحجج والبراهين - ممّا لا يسع لذي عقل إنكارها ولا لإنسان صحيح المشاعر ردّها والكفر بها - كان ما حكى من كفر الكافرين وإنكار المشركين أمرا مستبعدا بحسب الطّبع . وإذا كان وقوع أمر على صفة من الصّفات مستبعدا أخذ الإنسان في تقرير ذلك الأمر من غير مجرى الاستبعاد ، طلبا للمخرج من نسبة الوقوع إلى ما يستبعده الطّبع . ولمّا كان المقام في الآية الكريمة هذا المقام ، وكان ما حكاه اللّه سبحانه من كفر المنكرين وإنكار المشركين لما جاء به النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إليهم من الحقّ الصّريح ، وما أنزل إليه من كلام اللّه تعالى مع ما يتلوه من البيّنات والحجج ، ممّا لا ينبغي أن يذعن به لبعده طبعا ، بيّن تعالى لذلك وجها بعد وجه على سبيل التّرجّي ، فقال : فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إِلَيْكَ إلخ ، أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ هود : 13 إلخ . فكأنّه قيل : من المستبعد أن تهديهم إلى الحقّ الواضح ويسمعوا منك كلامي ، ثمّ لا يستجيبوا دعوتك ، ويكفروا بالحقّ بعد وضوحه ، فلعلّك تارك بعض ما يوحى إليك وغير داعيهم إليه ، ولذلك جبّهوك بالإنكار . أم يقولون : إنّ القرآن ليس من كلام اللّه بل هو افتراء افتريته على اللّه ، ولذلك لم يؤمنوا به . فإن كنت تركت بعض الوحي خوفا من اقتراحهم عليك الآيات ، فإنّما أنت نذير وليس لك إلّا ما شاء اللّه ، وأن يقولوا : افتراه ، فقل لهم : يأتوا بعشر سور مثله مفتريات . . . إلخ . وممّا تقدّم يظهر أنّ إيراد الكلام مورد التّرجّي والاحتمال ، رعاية ما يقتضيه المقام من طبع الاستبعاد . فالمقام مقام الاستبعاد ، ومقتضاه ذكر كلّ سبب محتمل التّأثير في الحادثة المستبعدة . اعتبر ذلك في ملك ينتهي إليه تمرّد بعض ضعفاء