مجمع البحوث الاسلامية

710

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

سادسا : أمّا الأصناف الثّلاثة الأخرى فهي : 1 - في الآية ( 15 ) : وَيَقُولُ الْكافِرُ يا لَيْتَنِي كُنْتُ تُراباً يتمنّى الكافر يوم القيامة ، حينما ينظر إلى ما قدّمت يداه من الشّرك والإثم والفساد ؛ أن لو كان ترابا ، أي أخسّ الأشياء ، ولم يكن إنسانا مكلّفا مسؤولا عن أعماله فيعذّب بها . 2 - وجاء في ( 16 ) تمثيل « بطلان الصّدقات » بالمنّ والأذى بصفوان عليه تراب ، فأصابه وابل ، أي مطر شديد ، فيتركه صلدا ، أي أنّ الصّدقات تذهب بذلك هباء كالتّراب . فيبدو أنّ « التّراب » في الآيات كلّها جاء مثالا لأخسّ الأشياء وأخملها . 3 - وفي الآية ( 17 ) : أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرابِ تنبيه على أنّ العرب الجاهليّين كانوا يتطيّرون من الأنثى ، فكان الّذي يبشّر بولد أنثى يتوارى من القوم من سوء ما بشّر به ، ويحدّث نفسه أيمسكه على هون أم يدسّه في التّراب ؟ فكانت الأنثى عندهم مخلوقا منحطّ الرّتبة ، حتّى أراد أن يدسّه في التّراب - وهو أدنى الأشياء - حتّى لا ترى فيعاب بها . سابعا : جاء ( تراب ) نكرة في الآيات كلّها رمزا إلى حقارته ودنائته مساوقة لسياق الآيات سوى في ( 17 ) فجاء معرفة وإن كان سياق التّحقير أيضا كسائر الآيات ولعلّه تنبيه على أنّ هذا الّذي بشّر بالأنثى يتمنّى أن يدسّه فورا فيما أمامه من التّراب والأرض الحاضرة ولا يؤخّره إلى مكان آخر ف « اللّام » للعهد الحضوريّ . واللّه أعلم بسرّ كتابه . ثامنا : جاء « أتراب » - وهو جمع ترب كجنس - وصفا منكّرا دائما - إكبارا وتعظيما - لنساء أهل الجنّة من الحور العين ، ثلاث مرّات روعي فيها رويّ الآيات : ففي ( 18 ) : وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ ، أي عند المتّقين ، لأنّ قبلها وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ص : 49 وفي ( 19 ) : إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً * فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكاراً * عُرُباً أَتْراباً ، وقبلها بآيات : وَحُورٌ عِينٌ كَأَمْثالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ فهذه أوصاف الحور العين ، وهنّ نفس القاصرات الطّرف ، لاحظ « ع ي ن » و « ق ص ر » . وهنّ للسّابقين والمقرّبين الّذين جاء ذكرهم في صدر السّورة ، ولا شكّ أنّهم من المتّقين أيضا . وفي ( 20 ) : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً * حَدائِقَ وَأَعْناباً * وَكَواعِبَ أَتْراباً ، فالفتيات ذوات الأثداء النّاهدة وصفن فيها بأنّهنّ أتراب . ويبدو أنّ المتّقين قد جزاهم ربّهم بهذه النّعم ، لاتّقائهم المحرّمات وصبرهم عليها ، ومن بينها الحور العين الموصوفات بكونهنّ أتراب . تاسعا : قيل : في معنى « أتراب » : إنّهنّ في سنّ واحدة مع بعضهنّ بعضا ، أو مع أزواجهنّ . وهو بعيد عن السّياق . وجاء في التّفاسير : سنّهنّ ثلاث وثلاثون ، أو ستّ عشرة ، أو أقلّ أو أكثر من ذلك ، ولا شاهد له في القرآن . والّذي يتبادر إلى الذّهن أنّهنّ في سنّ الحداثة وريعان الشّباب . وهناك قول بأنّهنّ متماثلات خلقا وخلقا ، أي حسنا وبهاء وشبابا وسنّا وقامة ، وهذا محتمل ، إلّا أنّ التّماثل في السّنّ هو الوصف الشّائع لهنّ . وقيل : إنّه من التّراب ، لأنّهنّ عندما كنّ صبايا