مجمع البحوث الاسلامية

640

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الاستثناء أنّ ليس وعدا وخلا ، لا يقعن هاهنا . ومثل الرّفع قول اللّه عزّ وجلّ : ( الّا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) وبعضهم ينصب ، على وجه النّصب في لا يكون ، والرّفع أكثر . ( 2 : 349 ) ابن قتيبة : مثل المضاربة ، والمقارضة في التّجارة ، فيأكل بعضكم مال بعض ، عن تراض . ( 125 ) الطّبريّ : [ حكى القرائتين : قراءة الرّفع عن أكثر أهل الحجاز وأهل البصرة ، وقراءة النّصب عن عامّة قرّاء الكوفة ، ثمّ قال : ] وكلتا القراءتين عندنا صواب ، جائز القراءة بهما ، لاستفاضتهما في قراءة الأمصار ، مع تقارب معانيها . غير أنّ الأمر وإن كان كذلك ، فإنّ قراءة ذلك بالنّصب أعجب إليّ من قراءته بالرّفع ، لقوّة النّصب من وجهين : أحدهما : أنّ في ( تكون ) ذكرا من الأموال ، والآخر : أنّه لو لم يجعل فيها ذكرا منها ، ثمّ أفردت بالتّجارة وهي نكرة ، كان فصيحا في كلام العرب النّصب ؛ إذ كانت مبنيّة على اسم وخبر ، فإذا لم يظهر معها إلّا نكرة واحدة ، نصبوا ورفعوا . [ ثمّ استشهد بشعر ] ففي هذه الآية إبانة من اللّه تعالى ذكره عن تكذيب قول الجهلة من المتصوّفة المنكرين طلب الأقوات بالتّجارات والصّناعات ، واللّه تعالى يقول : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ ؛ اكتسابا أحلّ ذلك لهم . ( 5 : 31 ) الزّجّاج : المعنى : إلّا أن تكون الأموال تجارة ، ومن قرأ ( الّا أن تكون تجارة ) فمعناه : إلّا تقع تجارة . ( 2 : 44 ) نحوه أبو زرعة . ( 199 ) الجصّاص : وأمّا قوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ اقتضى إباحة التّجارات الواقعة عن تراض . والتّجارة : اسم واقع على عقود المعاوضات المقصود بها طلب الأرباح . قال اللّه تعالى : هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى تِجارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فسمّى « الإيمان » تجارة على وجه المجاز ، تشبيها بالتّجارات المقصود بها الأرباح ، وقال تعالى : يَرْجُونَ تِجارَةً لَنْ تَبُورَ . كما سمّى بذل النّفوس لجهاد أعداء اللّه تعالى « شرى » قال اللّه تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ التّوبة : 111 ، فسمّى بذل النّفوس شراء على وجه المجاز . وقال اللّه تعالى : لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَراهُ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَلَبِئْسَ ما شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ البقرة : 102 ، فسمّي ذلك بيعا وشراء على وجه المجاز ، تشبيها بعقود الأشرية والبياعات الّتي تحصل بها الأعواض . كذلك سمّي الإيمان باللّه تعالى تجارة ، لما استحقّ به من الثّواب الجزيل والأبدال الجسيمة ، فتدخل في قوله تعالى : إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ عقود البياعات والإجارات والهبات المشروطة فيها الأعواض ، لأنّ المبتغي في جميع ذلك في عادات النّاس