مجمع البحوث الاسلامية

619

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ما أَعْبُدُ * وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ * وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ الكافرون : 2 - 4 ، لاحظ ( عابدون ) من « ع ب د » الثّالثة : يبدو أنّ الجملتين إنشاء وهتاف ضدّ اليهود رغم مجيئها بصيغة الخبر ، فهي مثل سورة « الكافرون » تماما ، وكسورة « تبّت » أيضا ، وقد سبق الكلام فيها . ولقد كانت « مكّة » في بدء البعثة أوان نزول أمثال هذه السّور القصار ، ممهّدة للعداء والهتاف ، لسيطرة الجوّ الطّائفيّ المفعم بالتّوتّر بين المؤمنين والمشركين . ثمّ هيمن هذا الجوّ في المدينة بعد الهجرة على العلاقات بين المؤمنين واليهود بنفس السّياق والسّلوك ، فلا عجب أن كرّر هذا الهتاف في أوّل سورة مدنيّة ، وهي البقرة . الرّابعة : قيل : إنّ وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ تدلّ على دوام القبلة ، وعدم سراية النّسخ إليها بعد نزول هذه الآيات ، وليس كذلك ، لما قلنا : إنّها هتاف وليس خبرا ، ولأنّ عدم متابعتهم النّبيّ في قبلتهم لا يفهم منه أنّ القبلة لا تنسخ . نعم لا تنسخ إلى قبلة اليهود الّتي جعلت قبلة للمسلمين في بدء البعثة ، اختبارا للمؤمنين الأوّلين ، وكانوا من قريش المصرّين على الاستكبار والنّفرة وعدم الرّضى بدين أهل الكتاب وقبلتهم ، كما قال تعالى : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ . . . البقرة : 143 . وتسجيلا على أهل الكتاب أنّ الإسلام لا يعرف الطّائفيّة ، ولا ينكر الأنبياء ، ويحترم سننهم ، ويعترف بدين اليهود ، تطميعا واستمالة لهم نحو الإسلام . فلمّا تحقّقت هذه الأهداف حوّل المسلمون وجوههم إلى قبلة إبراهيم - وكان ذاك أمل النّبيّ - كما جاء خلال هذه الآيات : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها . . . البقرة : 144 . الخامسة : إن كانت الجملتان هتافا ضدّ اليهود - إذ لوحظ فيهما حالتهم حين ذاك - فلا تنفيان إسلام بعضهم واهتداءهم إلى الحقّ فيما بعد ، فنفكّر في الإجابة على شبهة أنّها كذب ، حيث شغلت هذه الشّبهة صفحات كثيرة من التّفاسير . 2 - جاءت « التّابعين » في ( 11 ) خلال من أجاز للنّساء إبداء زينتهنّ للرّجال من هؤلاء . وقد اختلفوا كثيرا في المراد بهؤلاء التّابعين ، وهذا ناشئ من الخلاف في غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجالِ ، وقد تكلّمنا حولها تفصيلا ، لاحظ « إربة » من ( أرب ) . والصّواب أنّ « التّابعين » كلّ من يعيش في البيت من غير أهله من العبيد وغيرهم ، وممّن لا يهيج شهوته في النّساء . ولا يشمل ذلك الصّغار ، لأنّ الآية حدّدتهم بالرّجال ، ثمّ عطف عليهم الأطفال : أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلى عَوْراتِ النِّساءِ . كما لا يفهم من الآية اشتراط كون التّابع خصيّا ، أو عنّينا ، أو مخنّثا ، أو أحمقا ، أو شيخا هرما ، أو طفلا صغيرا ، وغيرها ممّا جاء في النّصوص ، فإنّها جميعا تحميل على القرآن تسلب منه سرّ بلاغته . 3 - جاء « تبيع » رويّا في ( 12 ) ، وهي مكّيّة ، فقبله : وكيلا ، كفورا ، رحيما ، وكيلا ، وبعده : تفصيلا ، قتيلا ، سبيلا ، خليلا . . . وهذا الرّويّ سار في السّورة من أوّلها إلى آخرها . ويتبادر إلى الذّهن أنّ هذا سرّ مجيئه مرّة واحدة ككثير من أمثاله . و « تبيعا » أي تابعا ، كعليم وعالم ،