مجمع البحوث الاسلامية
571
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
المسألة الثّانية : اختلفوا في المخاطب بهذا الخطاب ، قال بعضهم : الرّسول . وقال بعضهم : الرّسول وغيره . وقال آخرون : بل غيره ، لأنّه تعالى عرّف أنّ الرّسول لا يفعل ذلك ، فلا يجوز أن يخصّه بهذا الخطاب . وهذا القول الثّالث خطأ ، لأنّ كلّ ما لو وقع من الرّسول لقبح ، والإلجاء عنه مرتفع ، فهو منهيّ عنه ، وإن كان المعلوم منه أنّه لا يفعله . ويدلّ عليه وجوه : أحدها : أنّه لو كان كلّ ما علم اللّه أنّه لا يفعله وجب أن لا ينهاه عنه ، لكان ما علم أنّه يفعله وجب أن لا يأمره به ، وذلك يقتضي أن لا يكون النّبيّ مأمورا بشيء ولا منهيّا عن شيء ، وأنّه بالاتّفاق باطل . وثانيها : لولا تقدّم النّهي والتّحذير ، لما احترز النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم عنه ، فلمّا كان ذلك الاحتراز مشروطا بذلك النّهي والتّحذير ، فكيف يجعل ذلك الاحتراز منافيا للنّهي والتّحذير . وثالثها : أن يكون الغرض من النّهي والوعيد أن يتأكّد قبح ذلك في العقل ، فيكون الغرض منه التّأكيد . ولمّا حسن من اللّه تعالى التّنبيه على أنواع الدّلائل الدّالّة على التّوحيد بعد ما قرّرها في العقول ، والغرض منه تأكيد العقل بالنّقل ، فأيّ بعد في مثل هذا الغرض هاهنا . ورابعها : قوله تعالى في حقّ الملائكة : وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلهٌ مِنْ دُونِهِ فَذلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ الأنبياء : 29 ، مع أنّه تعالى أخبر عن عصمتهم في قوله : يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ النّحل : 50 ، وقال في حقّ محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ الزّمر : 65 ، وقد أجمعوا على أنّه عليه الصّلاة والسّلام ما أشرك وما مال إليه ، وقال : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ الأحزاب : 1 ، وقال تعالى : وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ القلم : 9 ، وقال : بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ المائدة : 67 ، وقوله : وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ الأنعام : 14 . فثبت بما ذكرنا أنّه عليه الصّلاة والسّلام منهيّ عن ذلك ، وأنّ غيره أيضا منهيّ عنه ، لأنّ النّهيّ عن هذه الأشياء ليس من خواصّ الرّسول عليه الصّلاة والسّلام . بقي أن يقال : فلم خصّه بالنّهي غيره ؟ فنقول : فيه وجوه : أحدها : أنّ كلّ من كان نعم اللّه عليه أكثر ، كان صدور الذّنب منه أقبح . ولا شكّ أنّ نعم اللّه تعالى على الرّسول عليه الصّلاة والسّلام أكثر ، فكان حصول الذّنب منه أقبح ، فكان أولى بالتّخصيص . وثانيها : أنّ مزيد الحبّ يقتضي التّخصيص بمزيد التّحذير . وثالثها : أنّ الرّجل الحازم إذا أقبل على أكبر أولاده وأصلحهم فزجره عن أمر بحضرة جماعة أولاده ، فإنّه يكون منبّها بذلك على عظم ذلك الفعل إن اختاروه وارتكبوه . وفي عادة النّاس أن يوجّهوا أمرهم ونهيهم إلى من هو أعظم درجة تنبيها للغير أو توكيدا ، فهذه قاعدة مقرّرة في أمثال هذه الآية . القول الثّاني : أنّ قوله : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ ليس المراد منه أنّه اتّبع أهواءهم في كلّ الأمور ، فلعلّه