مجمع البحوث الاسلامية
495
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وثانيها : كلّ واحد منهما إخبار ، ولكن أراد بالأوّل هلاك عمله ، وبالثّاني هلاك نفسه . ووجهه أنّ المرء إنّما يسعى لمصلحة نفسه وعمله ، فأخبر اللّه تعالى أنّه محروم من الأمرين . وثالثها : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ يعني ماله ، ومنه يقال : ذات اليد ، ( وتبّ ) هو بنفسه ، كما يقال : خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ الشّورى : 45 ، وهو قول أبي مسلم . ورابعها : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ يعني نفسه ، ( وتبّ ) يعني ولده عتبة ، على ما روي أنّ عتبة بن أبي لهب خرج إلى الشّام مع أناس من قريش ، فلمّا همّوا أن يرجعوا قال لهم عتبة : بلّغوا محمّدا عنّي أنّي قد كفرت بالنّجم إذا هوى . وروي أنّه قال ذلك في وجه رسول اللّه ، وتفل في وجهه ، وكان مبالغا في عداوته ، فقال : « اللّهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك » . فوقع الرّعب في قلب عتبة ، وكان يحترز . فسار ليلة من اللّيالي فلمّا كان قريبا من الصّبح ، فقال له أصحابه : هلكت الرّكاب ، فما زالوا به حتّى نزل وهو مرعوب ، وأناخ الإبل حوله كالسّرادق ، فسلّط اللّه عليه الأسد وألقى السّكينة على الإبل ، فجعل الأسد يتخلّل حتّى افترسه ومزّقه . فإن قيل : نزول هذه السّورة كان قبل هذه الواقعة ، وقوله : ( وتبّ ) إخبار عن الماضي ، فكيف يحمل عليه ؟ قلنا : لأنّه كان في معلومه تعالى أنّه يحصل ذلك . خامسها : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ حيث لم يعرف حقّ ربّه ، ( وتبّ ) حيث لم يعرف حقّ رسوله . ( 32 : 166 ) نحوه الخازن ( 7 : 263 ) ، والبروسويّ ( 10 : 532 ) . الآلوسيّ : [ بعد بيان شأن نزول الآية قال : ] فاليدان على المعنى المعروف ، والكلام دعاء بهلاكهما . وقوله سبحانه : ( وتبّ ) دعاء بهلاك كلّه ، وجوّز أن يكونا إخبارين بهلاك ذينك الأمرين . والتّعبير بالماضي في الموضعين لتحقّق الوقوع . وقال الفرّاء : الأوّل دعاء بهلاك جملته ، على أنّ « اليدين » إمّا كناية عن الذّات والنّفس لما بينهما من اللّزوم في الجملة ، أو مجاز من إطلاق الجزء على الكلّ ، كما قال محيي السّنّة . والقول في ردّه أنّه يشترط أن يكون الكلّ يعدم بعدمه كالرّأس والرّقبة ؛ واليد ليست كذلك ، غير مسلّم ، لتصريح فحول بخلافه هنا وفي قوله تعالى : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ البقرة : 195 ، أو المراد على ما قيل بذلك : الشّرط يعدم حقيقة أو حكما ، كما في إطلاق العين على الرّبيئة واليد على المعطي أو المتعاطي لبعض الأفعال . فإنّ الذّات - من حيث اتّصافها بما قصد اتّصافها به - تعدم بعدم ذلك العضو . والثّاني إخبار بالحصول ، أي وكان ذلك وحصل . [ ثمّ استشهد بشعر ] واستظهر أنّ هذه الجملة حاليّة « وقد » مقدّرة على المشهور ، كما قرأ به ابن مسعود ، وفي الصّحيحين وغيرهما من حديث ابن عبّاس في سبب النّزول ، فنزلت هذه السّورة ( تبّت يدا أبى لهب وقد تبّ ) . وعلى هذه القراءة يمتنع أن يكون ذلك دعاء ، لأنّ « قد » لا تدخل على أفعال الدّعاء . وقيل : الأوّل إخبار عن هلاك عمله ؛ حيث لم يفده ولم ينفعه ، لأنّ الأعمال تزاول بالأيدي غالبا ، والثّاني