مجمع البحوث الاسلامية
486
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
2 - وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ البقرة : 248 يلاحظ أوّلا : أنّ هذه الكلمة جاءت في ( 1 ) خلال ولادة موسى ووضعه في التّابوت وقذفه في اليمّ . وقد وقعت القصّة في أرض مصر ، فالكلمة إمّا قبطيّة أو عبريّة ، لو فرضنا أنّ بني إسرائيل احتفظوا بلغتهم العبريّة إلى ذلك الزّمان ، وهو بعيد ، وتتوقّف دراستها على معرفة اللّغة الّتي نزلت بها التّوراة . فإن احتفظوا بالعبريّة ، فكان موسى عليه السّلام يعرفها ، والتّوراة نزلت بالعبريّة . وهذا بعيد جدّا ، لأنّ موسى عاش منذ نعومة أظفاره وريعان شبابه في بلاط فرعون ، ولم تكن لغة رجال البلاط إلّا مصريّة ، أي قبطيّة كما يبدو ، ثمّ رحل إلى « مدين » ، حيث عاش لدى كاهنها عشر سنين . نعم ، عاش أيّام رضاعته في كنف أمّه ، وكانت إسرائيليّة ، ولكنّنا لا نعلم بأيّ لغة كانت تتكلّم ، كما لا نعلم اللّغة السّائدة في « مدين » حينذاك . وهذه مسألة جديرة بالاهتمام ، لأنّها تهمّ التّوراة أوّلا ، وذات صلة بلغة بني إسرائيل في مصر ثانيا ؛ إذ قد عاشوا فيها أربعمئة سنة كما هو الشّائع ، أو ( 250 ) سنة حسب الدّراسات الجديدة . وكيف كان ، فكلمة « توراة » لا تخرج من كونها مصريّة : قبطيّة أو عبريّة . ثانيا : أنّها جاءت في ( 2 ) خلال قصّة بني إسرائيل في أرض الميعاد ، لا نعلم أنّ بني إسرائيل بعد أن دخلوا « أريحا » وبيت المقدس فاتحين وغازين بأيّ لغة كانوا يتكلّمون ، فإنّ أهالي « أريحا » كانوا من بقايا العمالقة والفلسطينيّين ، ولم يكونوا عبريّين بتاتا . فهل كانت هذه الكلمة مشتركة بين اللّغتين السّائدتين حينذاك في « مصر » وفي « أريحا » ، أو كانت عبريّة جرت على ألسن بني إسرائيل حيثما قطنوا : في كنعان ومصر وصحراء سيناء حين تاهوا فيها أربعين سنة ، ثمّ دخلوا « أريحا » ، والبحث في هذا الموضوع يناط بعلماء اللّغات السّاميّة . ثالثا : أنّها جاءت مزدانة باللّام في الموضعين ، واللّام للعهد في أمثال هذه العبارات ، فالعهد في ( 1 ) حضوريّ ، أي كان عند أمّ موسى صندوق صغير ، فأمرت بوحي من اللّه أن تقذفه فيه ، ثمّ تقذف الصّندوق في اليمّ . أمّا العهد في ( 2 ) فالظّاهر أنّه ذهنيّ ، فيبدو أنّ التّابوت - وكان يسمّى تابوت العهد ، وتابوت الشّهادة ، وتابوت الرّبّ ، وتابوت اللّه ، حسب ما جاء في النّصوص - كان معهودا بين بني إسرائيل منذ عهد موسى ، فما بعده سنين طوالا ، حتّى سلبه الفلسطينيّون في معركة دارت بينهم وبين الإسرائيليّين ، ثمّ أرجعه اللّه إلى « طالوت » كمعجزة له ، تشهد على أنّه ملك عليهم من قبل اللّه تعالى . رابعا : وبعد هذا التّفصيل في التّابوتين ، فهل يبقى شكّ في أنّهما متعدّدان ؟ أو هناك تابوت واحد قذف فيه موسى وهو طفل ، وبقي عند آل فرعون ، ثمّ انتقل إلى آل موسى ، ثمّ إلى بني إسرائيل حتّى آخر مسيرهم ؟ كيف وقد جاء في النّصوص نقلا عن مصادر إسرائيليّة أنّ موسى عليه السّلام هو الّذي صنع تابوت العهد بالذّهب ، بطول يبلغ ذراعين وبعرض ذراع . خامسا : فالتّابوت في قصّة موسى كالقميص في قصّة