مجمع البحوث الاسلامية

46

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

عيسى عليه السّلام ، وإلى الطّبيعة الاعتقاديّة ، لأنّ الآية تتناول المحاجّة فيه بكلّ ما جاءه من العلم . ويظهر من الآية ومن جوّ القصّة أنّ هؤلاء لم يريدوا الاقتناع ، بل دخلوا في جدل عقيم لا يحقّق أيّ هدف ، ولا يصل إلى أيّة نتيجة ؛ ممّا دعا النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله إلى طرح المباهلة عليهم ، كأسلوب من أساليب التّأثير النّفسيّ الّذي يشعرهم بالثّقة المطلقة بالعقيدة الإسلاميّة ، وبمفاهيم الدّعوة الجديدة حتّى أنّ النّبيّ كان مستعدّا لأن يعرّض نفسه للموقف الصّعب عندما يقف مع أهل بيته ليواجهوا الآخرين بالوقوف بين يدي اللّه في ما تنازعوا فيه ، فيطلبون منه سبحانه أن يجعل اللّعنة على الكافرين . وقد أراد النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله أن يزيد الموقف تأثيرا في الإيحاء النّفسيّ لدى الآخرين بالثّقة ، فلم يقتصر على تقديم نفسه للمباهلة والملاعنة ، بل طرح القضيّة على أساس اشتراك أهل بيته معه في ذلك ، مع أنّ بإمكانه أن يحصر الأمر بنفسه ، دون أن يترك ذلك أيّ تأثير سلبيّ في الموقف . ولكنّه - كما أشرنا - أراد أن يعطيهم الإيحاء بالاطمئنان الكامل بصدق دعواه ، لأنّ الإنسان قد يعرّض نفسه للخطر ، ولكنّه لا يعرّض أبناءه وأهل بيته لما يعرّض له نفسه ، ممّا يمكن أن يتفاداه . ولهذا أدرك القوم الموضوع وأبعاده ، فاهتزّت أعماقهم بالخوف من الخوض في هذه التّجربة الّتي تستتبع اللّعنة الفعليّة الّتي تتجسّد في عذاب اللّه وعقابه ، فأقلعوا عن الأمر وقبلوا الصّلح . [ إلى أن قال بعد نقل قول الطّبرسيّ بأنّ المراد ب ( أبناءنا ) الحسن والحسين عليهما السّلام . . . إلخ : ] ونلاحظ على هذا الحديث حول البلوغ وكمال العقل كشرط للمباهلة ، أنّ مثل هذا الحديث في الجدل الدّائر فيه ، يتوقّف على أن يكون الحسنان عليهما السّلام طرفين مستقلّين في المباهلة ، كما لو كانا هما اللّذان يتولّيانها في مقابل نظائرهما من الآخرين ، ليباهل الرّجال الرّجال والنّساء النّساء والأبناء الأبناء . ولكن يمكن أن تكون المسألة واردة على أساس أن يقدّم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله - وهو واثق بأنّ الحقّ معه وأنّ النّتيجة الحاسمة الإيجابيّة ستكون له - ابنيه وابنته وابن عمّه ، ليكونوا طرفا في الابتهال وفريقا في النّتائج الحاسمة الأخيرة ، بعيدا عمّا إذا كانوا مشاركين في التّحدّي ، واللّه العالم . [ إلى أن قال : ] المباهلة في الخطّ الإسلاميّ العامّ : وإذا كانت الآية مختصّة بالنّبيّ محمّد صلّى اللّه عليه وآله في الواقعة الخاصّة مع وفد نصارى نجران ، فإنّها لا تختصّ ظاهرا به ، بل يمكن أن تنطلق في كلّ مورد مماثل لم يصل فيه الحوار إلى نهاية حاسمة ، لعدم استعداد الطّرف الآخر للاقتناع بالحجّة - بعد إقامتها عليه - فتكون المباهلة هي الخيار الأخير في ساحة التّحدّي ، فإنّ اللّه قد طرح المسألة على رسوله صلّى اللّه عليه وآله من خلال أنّها وسيلة من وسائل المواجهة ، لإسقاط موقف الآخرين في خطّ الباطل لمصلحة موقف الحقّ ، لا لخصوصيّة في المورد الخاصّ . [ ثمّ استشهد بقول الإمام الصّادق عليه السّلام - في حديث أبي مسترق - وقد سبق ، إلى أن قال : ] أمّا الدّرس الّذي نستفيده من ذلك كلّه ، فهو العمل على توظيف الجانب الإيمانيّ ، بعد ممارسة الجوانب