مجمع البحوث الاسلامية
447
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
19 - وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ الأنفال : 42 يلاحظ أوّلا : أنّ « البيّن » مذكّرا جاء مرّة واحدة في ( 1 ) وصفا للفظ « سلطان » ، والسّلطان هنا هو الحجّة والبرهان ، فالمراد به أنّ المشركين لولا يأتون بحجّة واضحة على شركهم ، فإذا لم يأتوا بها فهذا افتراء على اللّه وكذب ، ما أنزل اللّه بها كتابا . ثانيا : جاءت « البيّنة » مؤنّثة ، وصفا لموصوفات مذكورة ، أو مقدّرة : 1 - وصفا للآية ( 2 ) و ( 3 ) ، والمراد بالآية في ( 2 ) الحجّة ، قال الطّبرسيّ ( 2 : 87 ) : « من حجّة واضحة ظاهرة مثل اليد البيضاء وقلب العصا حيّة . . . » . وعليه فالمراد بها المعجزات ، لأنّها حجج واضحة على صدق موسى عليه السّلام . أمّا في ( 3 ) فالمراد بها ما ترك في تلك القرية من آثار الدّمار والهلاك ، فقد جاء قبلها إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلى أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ العنكبوت : 34 ، قال الطّبرسيّ ( 8 : 24 ) : « أي تركنا من تلك القرية عبرة واضحة . . . » قال ابن عبّاس : « هي آثار منازلهم الخربة . . . » ، لاحظ « أي ي » . 2 - وصفا لأمر مقدّر جاء به الرّسل في ( 4 - 11 ) ، والمراد بها المعجزة في أكثر الآيات بقرينة السّياق ، وفي ( 4 ) و ( 10 ) الكتاب ، وفي ( 8 ) و ( 11 ) الحجّة ، وفسّروها بالنّبيّ عليه السّلام نفسه ، لقوله بعده ( 8 ) : رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً البيّنة : 2 . 3 - وصفا لمن كان على بيّنة من ربّه من الرّسل في ( 12 - 18 ) بسياق واحد : كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي * ونحوها . والمراد بها الحجّة من الكتاب والرّسول والمعجزات ، وشواهد الصّدق وعلامات الحقّ . و ( على بيّنة ) بمعنى مع بيّنة ، أو ( على ) بمعناه وهو الاستعلاء ، أي أنّه ذو سلطة على بيّنة ، أي أنّ الرّسل جميعا مصاحبون لحجّة بيّنة ، وقادرون على إقامتها والإتيان بها . وهذه الحجّة من قبل ربّهم الّذي جهّزهم بها حجّة على الخلق ، سواء كانت حجّة عقليّة ، أو آية متلوّة ، أو معجزة مبصرة . وإنّما قيّدت « البيّنة » في الآيات بهذا القيد ( من ربّى ) ، لتكون شاهدة على صدق الرّسل في دعواهم أنّهم رسل اللّه ، فلا بدّ أن تكون « البيّنة » صنعا إلهيّة ، لا طاقة بشريّة . فسياقها سياق قوله في ( 10 ) : وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى . وأظهر الآيات في هذا المعنى قوله في ( 18 ) : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ؛ حيث قارنت بين من كان على بيّنة من ربّه وبين من ساء عمله باتّباع هواه ، وبالتّالي بين بيّنة من ربّه وعمل من نفسه ، فشتّان ما بينهما ! ! 4 - حجّة وانقطاعا ، معذرة للهالك والنّاجي على السّواء ، أي للمهتدي والضّالّ في قوله ( 19 ) : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ ، فالبيّنة كما هي هداية إلى الحقّ ونجاة من الضّلال وأمان من الهلاك ، فهي تكون في نفس الوقت حجّة على أهل الضّلال ، وتسجيلا للعقاب ، وسدّا للمعاذير ، وسندا لألم السّعير .