مجمع البحوث الاسلامية
426
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وقد أمضى اللّه سبحانه في هذه الآية أصل العمل بالخبر ، وهو من الأصول العقلائيّة الّتي يبتني عليه أساس الحياة الاجتماعيّة الإنسانيّة ، وأمر بالتّبيّن في خبر الفاسق ، وهو في معنى النّهي عن العمل بخبره ، وحقيقته الكشف عن عدم اعتبار حجّيّته . وهذا أيضا كالإمضاء لما بنى عليه العقلاء من عدم حجّيّة الخبر الّذي لا يوثق بمن يخبر به ، وعدم ترتيب الأثر على خبره . بيان ذلك : أنّ حياة الإنسان حياة علميّة ، يبني فيها سلوكه طريق الحياة على ما يشاهده ، من الخير والشّرّ والنّافع والضّارّ ، والرّأي الّذي يأخذ به فيه . ولا يتيسّر له ذلك إلّا فيما هو بمرءى منه ومشهد ، وما غاب عنه ممّا تتعلّق به حياته ومعاشه أكثر ممّا يحضره وأكثر ، فاضطرّ إلى تتميم ما عنده من العلم بما هو عند غيره من العلم الحاصل بالمشاهدة والنّظر ، ولا طريق إليه إلّا السّمع ، وهو الخبر . فالرّكون إلى الخبر بمعنى ترتيب الأثر عليه عملا ، ومعاملة مضمونه معاملة العلم الحاصل للإنسان من طريق المشاهدة والنّظر في الجملة ، ممّا يتوقّف عليه حياة الإنسان الاجتماعيّة توقّفا ابتدائيّا ، وعليه بناء العقلاء ومدار العمل . فالخبر إن كان متواترا أو محفوفا بقرائن قطعيّة توجب قطعيّة مضمونه ، كان حجّة معتبرة من غير توقّف فيها . فإن لم يكن متواترا ولا محفوفا بما يفيد قطعيّة مضمونه - وهو المسمّى بخبر الواحد اصطلاحا - كان المعتبر منه عندهم ما هو الموثوق به بحسب نوعه ، وإن لم يفده بحسب شخصه . وكلّ ذلك لأنّهم لا يعملون إلّا بما يرونه علما وهو العلم الحقيقيّ ، أو الوثوق والظّنّ الاطمئنانيّ المعدود علما عادة . إذا تمهّد هذا ، فقوله تعالى في تعليل الأمر بالتّبيّن في خبر الفاسق : أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ إلخ ، يفيد أنّ المأمور به هو رفع الجهالة ، وحصول العلم بمضمون الخبر عندما يراد العلم به وترتيب الأثر عليه . ففي الآية إثبات ما أثبته العقلاء ، ونفي ما نفوه في هذا الباب ، وهو إمضاء لا تأسيس . ( 18 : 311 ) الصّابونيّ : التّبيّن : طلب البيان والتّعرّف ، وقريب منه التّثبّت ، والمراد به هنا : التّحقّق والتّثبّت من الخبر ، حتّى يكون الإنسان على بصيرة من أمره . ( 2 : 472 ) لتستبين وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ . الأنعام : 55 الفرّاء : ترفع « السّبيل » بقوله : ( وليستبين ) ، لأنّ الفعل له . ومن أنّث « السّبيل » ، قال : وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ، وقد يجعل الفعل للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم فتنصب « السّبيل » ؛ يراد به : ولتستبين يا محمّد سبيل المجرمين . ( 1 : 337 ) الطّبريّ : واختلفت القرّاء في قراءة قوله : وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ، فقرأ ذلك عامّة قرّاء أهل المدينة ( وَلِتَسْتَبِينَ ) بالتّاء ، ( سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ) بنصب « السّبيل » ، على أنّ ( تستبين ) خطاب للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، كأنّ معناه عندهم : ولتستبين أنت يا محمّد سبيل المجرمين . وكان ابن زيد يتأوّل ذلك : ولتستبين أنت يا محمّد سبيل