مجمع البحوث الاسلامية

424

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

وقيل : إنّما لم يعطف لأنّ الأوّل تعليل للنّهي الثّاني بالوعد بأمر أخرويّ ، لأنّ المعنى لا تبتغوا عرض الحياة الدّنيا ، لأنّ عنده سبحانه ثوابا كثيرا في الآخرة ، أعدّه لمن لم يبتغ ذلك . وعبّر عن الثّواب ب « المغانم » مناسبة للمقام ، والتّعليل الثّاني للنّهي الأوّل ، ليس كذلك . وذكر الزّمخشريّ وغيره في الآية ما ردّه شيخ الإسلام بما يلوح عليه مخايل التّحقيق ، وقال بعض النّاس فيها : إنّ المعنى كما كان هذا الّذي قتلتموه مستخفيا بدينه في قومه ، خوفا على نفسه منهم ، كنتم أنتم مستخفين بدينكم حذرا من قومكم على أنفسكم ، فمنّ اللّه تعالى عليكم بإظهار دينه ، وإعزاز أهله ، حتّى أظهرتم الإسلام بعد ما كنتم تكتمونه من أهل الشّرك ، ( فتبتيّنوا ) نعمة اللّه تعالى عليكم ، أو تبيّنوا أمر من تقتلونه . ولا يخفى أنّ هذا - وإن كان بعضه مرويّا عن ابن جبير - غير واف بالمقصود ، على أنّ القول : بأنّ المخاطبين كانوا مستخفين بدينهم حذرا من قومهم ، في حيّز المنع . اللّهم إلّا أن يقال : إنّ كون البعض كان مستخفيا كاف في الخطاب . وقيل : إنّ قوله سبحانه : فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ منقطع عمّا قبله ؛ وذلك أنّه تعالى لمّا نهى القوم عن قتل من ذكر ، أخبرهم بعد بأنّه منّ عليهم بأن قبل توبتهم عن ذلك الفعل المنكر ، ثمّ أعاد الأمر بالتّبيين مبالغة في التّحذير ، أو أمر بتبيين نعمته سبحانه ، شكرا لما منّ عليهم به ، وهو كما ترى . ( 5 : 119 ) عزّة دروزة : وجه الخطاب في الآية للمسلمين . وقد تضمّنت : 1 - أمرا لهم بالتّثبّت من حقائق النّاس الّذين يلقونهم ، إذا ما خرجوا للجهاد في سبيل اللّه ، فلا يقاتلون ولا يقتلون إلّا العدوّ الكافر ، ولا يقولون لمن ألقى إليهم السّلام أو أعلن المسالمة أو الإسلام : لست مؤمنا ، اجتهادا منهم بأنّه غير صادق فيما ألقاه ، وطمعا في المغانم الّتي ينالونها منه . 2 - وتنبيها تأديبيّا وتذكيريّا لهم : فعند اللّه مغانم كثيرة دنيويّة وأخرويّة للمخلصين ، فلا ينبغي أن يكون عرض الحياة الدّنيا باعثا فيهم الطّمع ، ومذهلا لهم عن الحقّ ، وصارفا إيّاهم عن التّثبّت . وعليهم أن يذكروا أنّهم كانوا غير مسلمين ، فمنّ اللّه عليهم بفضله وهداهم ، وأنّ من الممكن أن يمنّ على غيرهم ويهديهم أيضا . 3 - وتوكيدا ثانيا بوجوب التّثبّت ، وتنبيها فيه معنى الإنذار بأنّ اللّه خبير بما يعملون ، وبنواياهم الّتي يضمرونها وراء أعمالهم . ( 9 : 144 ) الطّباطبائيّ : التّبيّن هو التّمييز ، والمراد به التّمييز بين المؤمن والكافر ، بقرينة قوله : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً . [ إلى أن قال : ] أي على هذا الوصف ، هو ابتغاء عرض الحياة الدّنيا كنتم من قبل أن تؤمنوا ، فمنّ اللّه عليكم بالإيمان الصّارف لكم عن ابتغاء عرض الحياة الدّنيا ، إلى ما عند اللّه من المغانم الكثيرة ، فإذا كان كذلك فيجب عليكم أن تتبيّنوا . وفي تكرار الأمر بالتّبيّن تأكيد في الحكم . ( 5 : 41 ) 2 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا