مجمع البحوث الاسلامية
417
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الّذي ذكره بقوله : أَنَّى يُحْيِي هذِهِ اللَّهُ ، أقنع نفسه بما عنده من العلم بالقدرة المطلقة . ثمّ لمّا بيّن اللّه له الأمر بيان إشهاد وعيان رجع إلى نفسه ، وصدّق ما اعتمد عليه من العلم ، وقال : لم تزل تنصح لي ولا تخونني في هدايتك وتقويمك ، وليس ما لا تزال نفسي تعتمد عليه من كون القدرة مطلقة جهلا ، بل علم يليق بالاعتماد عليه . وهذا أمر كثير النّظائر ، فكثيرا ما يكون للإنسان علم بشيء ثمّ يخطر بباله ويهجس في نفسه خاطر ينافيه ، لا للشّكّ وبطلان العلم ، بل لأسباب وعوامل أخرى ، فيقنع نفسه حتّى تنكشف الشّبهة ، ثمّ يعود فيقول : أعلم أنّ كذا كذا وليس كذا كذا ، فيقرّر بذلك علمه ويطيّب نفسه . وليس معنى الكلام : أنّه لمّا تبيّن له الأمر حصل له العلم ، وقد كان شاكّا قبل ذلك ف ( قال اعلم ) إلخ ، كما مرّت الإشارة إليه ، لأنّ الرّجل كان نبيّا مكلّما ، وساحة الأنبياء منزّه عن الجهل باللّه ، وخاصّة في مثل صفة القدرة الّتي هي من صفات الذّات أوّلا ، ولأنّ حقّ الكلام حينئذ أن يقال : علمت أو ما يؤدّي معناه ثانيا ، ولأنّ حصول العلم بتعلّق القدرة بإحياء الموتى لا يوجب حصول العلم بتعلّقها بكلّ شيء ، وقد قال : أعلم أنّ اللّه بكلّ شيء قدير . نعم ربّما يحصل الحدس بذلك في بعض النّفوس ، كمن يستعظم أمر الإحياء في القدرة ، فإذا شاهدها له ما شاهده ، وذهلت نفسه عن سائر الأمور ، فحكم بأنّ الّذي يحيي الموتى يقدر على كلّ ما يريد أو أريد منه ، لكنّه اعتقاد حدسيّ معلول الرّوع والاستعظام النّفسانيّين المذكورين ، يزول بزوالهما ولا يوجد لمن لم يشاهد ذلك . وعلى أيّ حال لا يستحقّ التّعويل والاعتماد عليه ، وحاشا أن يعدّ الكلام الإلهيّ مثل هذا الاعتقاد والقول نتيجة حسنة ممدوحة لبيان إلهيّ ، كما هو ظاهر قوله تعالى بعد سرد القصّة : فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، على أنّه خطأ في القول لا يليق بساحة الأنبياء ثالثا . ( 2 : 365 ) 2 - . . . قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ . البقرة : 256 الطّوسيّ : معناه قد ظهر بكثرة الحجج ، والآيات الدّالّة لانضمام ما أتى الرّسول فيه ، إلى ما فيه الفعل منه . ( 2 : 311 ) القشيريّ : وامتاز اللّيل بظلامه عن النّهار بضيائه ، والحقوق الأزليّة معلومة ، والحدود الأوّليّة معلولة ، فهذا بنعت القدم وهذا بوصف العدم . ( 1 : 210 ) الزّمخشريّ : قد تميّز الإيمان من الكفر بالدّلائل الواضحة . ( 1 : 387 ) نحوه البيضاويّ . ( 1 : 134 ) ابن عطيّة : معناه بنصب الأدلّة ، ووجود الرّسول الدّاعي إلى اللّه ، والآيات المنيرة . ( 1 : 343 ) الفخر الرّازيّ : أي تميّز الحقّ من الباطل ، والإيمان من الكفر ، والهدى من الضّلالة ، بكثرة الحجج والآيات الدّالّة . قال القاضي : ومعنى قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ أي أنّه قد