مجمع البحوث الاسلامية
41
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
اللّه أن يفضح الكاذب . لعلّ قضيّة المباهلة بهذا الشّكل لم تكن معروفة عند العرب ، بل كانت أسلوبا يبيّن صدق النّبيّ وإيمانه بشكل قاطع ؛ إذ كيف يمكن لمن لا يؤمن كلّ الإيمان بعلاقته باللّه أن يدخل هذا الميدان ، فيطلب من معارضيه أن يتقدّموا معه إلى اللّه ، يدعونه أن ينزل لعناته على الكاذب ، وأن يروا سرعة ما يحلّ بالكاذب من عقاب ؟ ! لا شكّ أنّ دخول هذا الميدان خطر جدّا ، لأنّ « المبتهل » إذا لم يجد استجابة لدعائه ولم يظهر أيّ أثر لعقاب اللّه على معارضيه ، فلن تكون النّتيجة سوى فضيحة المبتهل . فكيف يمكن لإنسان عاقل ومدرك أن يخطو مثل هذه الخطوة دون أن يكون مطمئنّا إلى أنّ النّتيجة في صالحه ؟ لهذا قيل : إنّ دعوة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إلى المباهلة تعتبر واحدا من الأدلّة على صدق دعوته وإيمانه الرّاسخ بها ، بصرف النّظر عن النّتائج الّتي كانت ستكشف عنها المباهلة . [ إلى أن قال : ] بعد الآيات الّتي استدلّ فيها على بطلان القول بألوهيّة عيسى بن مريم ، يأمر اللّه نبيّه بالمباهلة إذا جاءه من يجادله ، من بعد ما جاء من العلم والمعرفة . وأمره أن يقول لهم : إنّي سأدعو أبنائي ، وأنتم ادعوا أبناءكم ، وأدعو نسائي ، وأنتم ادعوا نساءكم ، وأدعو نفسي ، وتدعون أنتم أنفسكم ، وعندئذ ندعو اللّه أن ينزل لعنته على الكاذب منّا . لا حاجة للقول بأنّ القصد من « المباهلة » لم يكن إحضار جمع من النّاس للّعن ، ثمّ ليتفرّقوا كلّ إلى سبيله ، لأنّ عملا كهذا لن يكون له أيّ تأثير ، بل كان المنتظر أن يكون لهذا الدّعاء واللّعن أثر مشهود عيانا فيحيق بالكاذب عذاب فوريّ . وبعبارة أخرى : فإنّ المباهلة - وإن لم يكن في الآية ما يشير إلى تأثيرها - كانت بمثابة « السّهم الأخير » بعد أن لم ينفع المنطق والاستدلال ، فإنّ الدّعاء وحده لم يكن المقصود بها . بل كان المقصود منها هو « أثرها الخارجيّ » . يصرّح المفسّرون من الشّيعة والسّنّة أنّ آية المباهلة قد نزلت بحقّ أهل بيت النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وأنّ الّذين اصطحبهم النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله معه للمباهلة بهم هم : الحسن والحسين وفاطمة وعليّ عليهم السّلام . وعليه ، فإنّ ( أَبْناءَنا ) الواردة في الآية ينحصر مفهومها في الحسن والحسين عليهما السّلام ، ومفهوم ( نِساءَنا ) ينحصر في فاطمة عليها السّلام ، ومفهوم ( أَنْفُسَنا ) ينحصر في عليّ عليه السّلام . وهناك أحاديث كثيرة بهذا الخصوص . حاول بعض أهل السّنّة أن ينكر وجود أحاديث في هذا الموضوع ، فصاحب تفسير « المنار » يقول في تفسير الآية : الرّوايات متّفقة على أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله اختار للمباهلة عليّا وفاطمة وولديها ، ويحملون كلمة ( نِساءَنا ) على فاطمة ، وكلمة ( أَنْفُسَنا ) على عليّ فقط ، ومصادر هذه الرّوايات شيعيّة ، ومقصدهم منها معروف . وقد اجتهدوا في ترويجها ما استطاعوا حتّى راجت على كثير من أهل السّنّة . ولكن بالرّجوع إلى مصادر أهل السّنّة الأصليّة يتّضح أنّ الكثير من تلك الطّرق لا تنتهي بالشّيعة وبكتب الشّيعة ، وإنكار هذه الأحاديث الواردة