مجمع البحوث الاسلامية
359
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
مخلص ، كمن ليس على بيّنة ، يعني سواء ؟ بل الأوّل على السّعادة وحسن العاقبة ، والثّاني على الشّقاوة وسوء الخاتمة ( 4 : 110 ) الآلوسيّ : وأصل البيّنة ، كما قيل : الدّلالة الواضحة ، عقليّة كانت أو محسوسة ، وتطلق على الدّليل مطلقا ، وهاؤها للمبالغة ، أو النّقل . وهي وإن قيل : إنّها من « بان » بمعنى تبيّن واتّضح ، لكنّه اعتبر فيها دلالة الغير والبيان له ، وأخذها بعضهم من صيغة المبالغة . والتّنوين فيها هنا للتّعظيم ، أي بيّنة عظيمة الشّأن ، والمراد بها : القرآن وباعتبار ذلك ، أو البرهان . ذكّر الضّمير الرّاجع إليها في قوله سبحانه : ( ويتلوه ) . ( 12 : 26 ) رشيد رضا : أي على حجّة وبصيرة من ربّه ، فيما يؤمن به ويدعو إليه ، هاديا مهتديا به ، فالبيّنة : ما يتبيّن به الحقّ في كلّ شيء بحسبه ، كالبرهان في العقليّات ، والنّصوص في النّقليّات ، والخوارق في الإلهيّات ، والتّجارب في الحسّيّات ، والشّهادات في القضائيّات ، والاستقراء في إثبات الكلّيّات . وقد نطق القرآن بأنّ الرّسل كلّهم قد جاءوا بالبيّنات ، وأنّ كلّ نبيّ منهم كان يحتجّ على قومه بأنّه على بيّنة من ربّه ، وأنّه جاءهم ببيّنة من ربّهم ، كما ترى في قصصهم من سورة الأعراف وهذه السّورة . وكانت بيّناتهم قسمين : حججا عقليّة ، وآيات كونيّة ، وكان من لم يقتنع ببيّنة الرّسول أو يكابرها ، يقولون : ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ هود : 53 ، وكان من جحد الآية الكونيّة بعد التّحدّي والإنذار بالعذاب ، يهلكون بعذاب الاستئصال ، وتجد هذا وذاك مفصّلا في قصصهم من هذه السّورة ، وفرق بين قول الرّسول منهم : إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي الأنعام : 57 ، وقوله : قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ الأعراف : 105 . فالأولى : ما علم هو به أنّه رسول من ربّه بوحيه إليه ، وبإظهاره على ما شاء من رؤية ملك الوحي وغيره من عالم الغيب . والثّانية : ما آتاه من الحجّة العقليّة على قومه ، كقوله : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ الأنعام : 83 ، أو ما آتاه من آية كونيّة تستخذي لها أنفسهم ، وتنقطع بها مكابرتهم ، وكان نبيّنا صلّى اللّه عليه وسلّم يطلق « البيّنة » تارة على الحجّة والبرهان ، وتارة على آيته الكبرى الجامعة للبراهين الكثيرة وهي القرآن ، قال تعالى له : قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ الأنعام : 57 ، وأمره أن يقول لهم بعد ذكر موسى والتّوراة : وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * أَنْ تَقُولُوا إِنَّما أُنْزِلَ الْكِتابُ عَلى طائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِراسَتِهِمْ لَغافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتابُ لَكُنَّا أَهْدى مِنْهُمْ فَقَدْ جاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْها سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آياتِنا سُوءَ الْعَذابِ بِما كانُوا يَصْدِفُونَ الأنعام : 155 - 157 ، فهذا السّياق يشبه سياق الآية الّتي نفسّرها . وفي المراد بصاحب البيّنة فيها وجهان : أحدهما : أنّه عامّ قوبل به ما قبله ، وهو من لا يريدون من حياتهم إلّا لذّات الدّنيا ، وزينتها ، وأنّ البيّنة هي نور البصيرة