مجمع البحوث الاسلامية
323
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
( فبايعهنّ ) فالمبايع لهنّ هو النّبيّ ، وهذه مزيّة خاصّة بالنّساء . 5 - قد اشترط على الرّجال في ( 1 ) الوفاء بما عاهدوا اللّه ، أمّا من نكث فإنّما ينكث على نفسه ، فلم يمنحهم ذلك الأجر العظيم إلّا بهذا الشّرط . ولم يشترطه للنّساء ، بل عوّض عنها بقوله : وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ وهذا مع شموله تعبير ليّن يناسب طبيعتهنّ ، خلافا لما وجّهه إلى الرّجال في فَمَنْ نَكَثَ . . . من الوعد والوعيد في سياق جازم . ثالثا : جاءت في آيات البيع السّبع - وهو المحور الثّاني - لفظ البيع ( 7 ) مرّات ، وكلّ من لفظي ( بايعتم ) و ( تبايعتم ) مرّة واحدة ، وفيها مواقع للبحث : 1 - الظّاهر أنّ المراد بالبيع في جميع الآيات ما يشمل « البيع والشّراء » دون البيع فقط ، وهذا ما يعبّر عنه بالمعاملة « خريد وفروش » بالفارسيّة . فقد جاء في صدر الآية ( 4 ) : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى ، والمراد به الاشتراء ، وهو كناية . الّذي اشتراه هو أنفس المؤمنين وأموالهم ، والمؤمنون هم البائعون . وجاء في ذيلها : فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ فالاشتراء جاء بمعناه الشّائع ، والبيع جاء بمعنى المعاملة ، أي مجموع البيع والشّراء ، وكذلك الأمر في ( بايعتم ) و ( تبايعتم ) في ( 4 ) و ( 5 ) . وكذلك في آية البيع والرّبا ، فإنّ المشركين قاسوا في ( 6 ) الرّبا بالبيع بهذا المعنى ، فقالوا : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا ، فردّ اللّه عليهم بقوله : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ، أي أنّ هذا قياس مع الفارق ، فكرّر كلّ من البيع والرّبا مرّتين . وكذلك المحرّم في ( 7 ) هو المعاملة بيعا وشراء أيضا حين النّداء للصّلاة من يوم الجمعة . ووصف في ( 8 ) كذلك رجالا بأنّهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر اللّه . ووصف في ( 9 ) و ( 10 ) يوم القيامة بأنّه لا بيع فيه ولا خلال ولا شفاعة ، وأريد بذلك كلّه المعاملة دون البيع فقط . وفرغنا بذلك من القول بأنّ « البيع » وما اشتقّ منه لم يأت في القرآن بمعنى البيع مقابل الشّراء ، وهذا يوافق اللّغة ، فإنّه - كما مرّ في الأصول اللّغويّة - بمعنى الصّفقة ، وهي مشتركة بين البائع والمشتري ، كما هي مشتركة بين البيع والبيعة . 2 - قيل : هلّا قال : إنّما الرّبا مثل البيع ، لأنّ الكلام في الرّبا لا في البيع ، فشبّهوا الرّبا بالبيع فاستحلّوه ؟ وأجيب بوجوه : أحدها : أنّه جاء على طريق المبالغة ، إذ بلغ من اعتقادهم في حلّيّة الرّبا أنّهم جعلوه أصلا وقانونا في الحلّ ، وجعلوا البيع فرعا منه ، وهذا من باب التّشبيه المقلوب ، وهو أعلى مراتب التّشبيه ، مثل قولهم : القمر كوجه زيد ، والبحر ككفّه . وقد ردّ اللّه كلامهم إلى أصله ، فجعل « البيع » أصلا ؛ حيث قال : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ، فقرّر أنّ المعيار في التّحليل والتّحريم أمر اللّه تعالى ، فقد أحلّ البيع وحرّم الرّبا . ثانيهما : أنّه لم يكن غرضهم بذلك أن يتمسّكوا بنظم القياس ، بل البيع والرّبا سيّان من جميع الوجوه ، فكيف يجوز تخصيص أحد المثلين بالحلّ والآخر بالحرمة ؟ فأيّهما قدّم أو أخّر جاز ، والوجه الأوّل عندنا أقرب إلى الصّواب .