مجمع البحوث الاسلامية

314

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

محمّد جواد مغنيّة : « ذلك » إشارة إلى استحلالهم للرّبا ، وقد فلسفوه بأنّ البيع والرّبا متماثلان من جميع الوجوه ، فكيف يكون البيع حلالا دون الرّبا ؟ أليس للإنسان أن يبيع ما يساوي خمسة دراهم بستّة ، وأن يبيع ما يساوي درهما معجّلا بدرهمين مؤجّلين ؟ إذن ، ينبغي أن يسمح له بإعطاء عشرة دراهم بأحد عشر إلى شهر ، والفرق تحكّم في نظر العقل . وردّ اللّه سبحانه هذا الزّعم بقوله : وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا ووجه الرّدّ أنّ مجرّد تماثلهما في الظّاهر لا يستدعي أن يكونا كذلك في الواقع ، فإنّ البيع عمليّة تجاريّة نافعة ، والبائع يقوم بدور الوسيط بين المنتج والمستهلك ، فيكون ربحه عوضا عن أتعابه ، وليس أكلا للمال بالباطل . أمّا الرّبا فهو استغلال محض ، وأخذ للزّيادة من غير مقابل ، فيكون أكلا للمال بالباطل ؛ ومن أجل هذا أحلّ اللّه البيع ، وحرّم الرّبا ، فاختلافهما حكما عند اللّه دليل على اختلافهما واقعا ، وكذلك العكس . ( 1 : 436 ) الصّابونيّ : تشبيه لطيف يسمّى « التشبيه المقلوب » وهو أعلى مراتب التّشبيه ؛ حيث يصبح المشبّه مشبّها به ، مثل قولهم : القمر كوجه زيد ، والبحر ككفّه . . . [ ثمّ استشهد بشعر ] ومقصودهم تشبيه الرّبا بالبيع المتّفق على حلّه ، ولكنّه بلغ اعتقادهم في حلّ الرّبا ، أنّهم جعلوه أصلا وقانونا في الحلّ ، حتّى شبّهوا به البيع ، فتدبّره فإنّه دقيق . ( 1 : 387 ) الطّباطبائيّ : قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا قد تقدّم الوجه في تشبيه البيع بالرّبا دون العكس ، بأن يقال : إنّما الرّبا مثل البيع . فإنّ من استقرّ به الخبط والاختلال كان واقفا في موقف خارج عن العادة المستقيمة ، والمعروف عند العقلاء والمنكر عندهم سيّان عنده ، فإذا أمرته بترك ما يأتيه من المنكر والرّجوع إلى المعروف أجابك - لو أجاب - أنّ الّذي تأمرني به كالّذي تنهاني عنه لا مزيّة له عليه ، ولو قال : إنّ الّذي تنهاني عنه كالّذي تأمرني به كان عاقلا غير مختلّ الإدراك . فإنّ معنى هذا القول : أنّه يسلم أنّ الّذي يؤمر به أصل ذو مزيّة يجب اتّباعه ، لكنّه يدّعي أنّ الّذي ينهي عنه ذو مزيّة مثله ، ولم يكن معنى كلامه إبطال المزيّة وإهماله كما يراه الممسوس . وهذا هو قول المرابيّ المستقرّ في نفسه الخبط : إنّما البيع مثل الرّبا ، ولو أنّه قال : أنّ الرّبا مثل البيع ، لكان رادّا على اللّه ، جاحدا للشّريعة ، لا خابطا كالممسوس . والظّاهر أنّ قوله تعالى : ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا حكاية لحالهم النّاطق بذلك وإن لم يكونوا قالوا ذلك بألسنتهم ، وهذا السّياق أعني حكاية الحال بالقول ، معروف عند النّاس . وبذلك يظهر فساد ما ذكره بعضهم : أنّ المراد بقولهم : إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا نظمهما في سلك واحد ، وإنّما قلبوا التّشبيه وجعلوا الرّبا أصلا ، وشبّهوا به البيع للمبالغة . [ ثمّ استشهد بشعر ] وكذا فساد ما ذكره آخرون : أنّه يجوز أن يكون التّشبيه غير مقلوب بناء على ما فهموه : أنّ البيع إنّما حلّ لأجل الكسب والفائدة ؛ وذلك في الرّبا متحقّق وفي غيره