مجمع البحوث الاسلامية
30
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
وممّا يؤكّد هذا قوله تعالى : وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ إلى قوله : وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى الأنعام : 84 ، 85 ، ومعلوم أنّ عيسى عليه السّلام إنّما انتسب إلى إبراهيم عليه السّلام بالأمّ ، لا بالأب ؛ فثبت أنّ ابن البنت قد يسمّى ابنا ، واللّه أعلم . [ إلى أن قال : ] قوله : ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي نتباهل ، كما يقال : اقتتل القوم وتقاتلوا ، واصطحبوا وتصاحبوا . والابتهال فيه وجهان : أحدهما : أنّ الابتهال هو الاجتهاد في الدّعاء ، وإن لم يكن باللّعن ، ولا يقال : ابتهل في الدّعاء إلّا إذا كان هناك اجتهاد . والثّاني : أنّه مأخوذ من قولهم : عليه بهلة اللّه ، أي لعنته ، وأصله مأخوذ ممّا يرجع إلى معنى اللّعن ، لأنّ معنى اللّعن هو الإبعاد والطّرد ، وبهله اللّه ، أي لعنه وأبعده من رحمته ، من قولك : أبهله ، إذا أهمله . وناقة باهل ، لاصرار عليها ، بل هي مرسلة مخلّاة ، كالرّجل الطّريد المنفيّ . وتحقيق معنى الكلمة : أنّ « البهل » إذا كان هو الإرسال والتّخلية ، فكان من بهله اللّه فقد خلّاه اللّه ووكله إلى نفسه ، ومن وكله إلى نفسه فهو هالك لا شكّ فيه ، فمن باهل إنسانا فقال : على بهلة اللّه إن كان كذا ، يقول : وكلني اللّه إلى نفسي وفوّضني إلى حولي وقوّتي ، أي من كلاءته وحفظه ، كالنّاقة الباهل الّتي لا حافظ لها في ضرعها ، فكلّ من شاء حلبها وأخذ لبنها ، لا قوّة لها في الدّفع عن نفسها . ويقال أيضا : رجل باهل ، إذا لم يكن معه عصا ، وإنّما معناه أنّه ليس معه ما يدفع عن نفسه . والقول الأوّل أولى ، لأنّه يكون قوله : ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي ثمّ نجتهد في الدّعاء ، ونجعل اللّعنة على الكاذب . وعلى القول الثّاني يصير التّقدير : ثُمَّ نَبْتَهِلْ أي ثمّ نلتعن فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ وهي تكرار . بقي في الآية سؤالات أربع : السّؤال الأوّل : الأولاد إذا كانوا صغارا ، لم يجز نزول العذاب بهم ، وقد ورد في الخبر أنّه صلوات اللّه عليه أدخل في المباهلة الحسن والحسين عليهما السّلام ، فما الفائدة فيه ؟ والجواب : إنّ عادة اللّه تعالى جارية بأنّ عقوبة الاستئصال إذا نزلت بقوم هلكت معهم الأولاد والنّساء ، فيكون ذلك في حقّ البالغين عقابا ، وفي حقّ الصّبيان لا يكون عقابا ، بل يكون جاريا مجرى إماتتهم ، وإيصال الآلام والأسقام إليهم . ومعلوم أنّ شفقة الإنسان على أولاده وأهله شديدة جدّا ، فربّما جعل الإنسان نفسه فداء لهم وجنّة لهم ، وإذا كان كذلك : فهو عليه السّلام أحضر صبيانه ونساءه مع نفسه ، وأمرهم بأن يفعلوا مثل ذلك ، ليكون ذلك أبلغ في الزّجر وأقوى في تخويف الخصم ، وأدلّ على وثوقه صلوات اللّه عليه وعلى آله ، بأنّ الحقّ معه . السّؤال الثّاني : هل دلّت هذه الواقعة على صحّة نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وسلّم ؟ الجواب : إنّها دلّت على صحّة نبوّته عليه السّلام من وجهين : أحدهما : وهو أنّه عليه السّلام خوّفهم بنزول العذاب عليهم ، ولو لم يكن واثقا بذلك ، لكان ذلك منه سعيا في إظهار كذب نفسه لأنّ بتقدير : أن يرغبوا في مباهلته ، ثمّ