مجمع البحوث الاسلامية

284

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بَيْضٌ مَكْنُونٌ الصّافّات : 48 ، 49 يلاحظ أوّلا : أنّ البياض يلحظ في جميع الموارد ، إلّا أنّه في بعضها حقيقة وفي بعضها كناية ، كما سترى . ثانيا : جاء الفعل ثلاث مرّات ، ماضيا مرّتين ومضارعا مرّة : الأولى : وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ مِنَ الْحُزْنِ ، جاءت في شأن يعقوب لكثرة بكائه على فراق يوسف ، وبياض العين كناية عن العمى النّاشئ من كثرة البكاء ؛ حيث غلب البياض سواد العين فعمي . وهاهنا بحوث : 1 - قال : وَابْيَضَّتْ عَيْناهُ ، ولم يقل : عميتا ، فلم يسنده إلى العمى - وهو عيب - تكريما له ، ولأنّه لم يكن في الحقيقة عمى ، وإنّما كان حجابا من رؤية غير يوسف . وهذا يحكي مدى حبّه ليوسف ، وكأنّه ما أعطي البصر إلّا لينظر إلى وجه ابنه الحبيب يوسف ، فلمّا حرم من لقائه وحال الفراق بينهما انطمس بصره ، لأنّه لا شيء أشدّ على الأحباب من رؤية غير المحبوب عند فراقه . 2 - استمرّ بياض عينه حتّى استعدّ للقاء يوسف ، ولم ينقشع إلّا بقميص يوسف بعد ثمانين شهرا - كما جاء في الأخبار - وهذا رمز آخر إلى شدّة العلاقة بين الأب والابن ؛ حيث فقد بصره بفراقه ، وردّ إليه قبيل لقائه . 3 - ردّ بصره بقميص يوسف وقميصه هو ما أتى به إخوانه ملطّخا بدم كذب ، وكان بداية حزنه عليه ، وكان للقميص دور في بقاء يوسف في السّجن بضع سنين . لكنّه متعدّد في المواقف الثّلاث وليس قميصا واحدا لاحظ « ق م ص » . 4 - وهناك رمز ثالث إلى مدى تلك العلاقة ، وهو قوله : ( من الحزن ) ، أي لم يكن بياض العين لمرض ألمّ بها ، بل للحزن على الفراق ، ويصدق الحزن عند غياب المحبوب ، فلو لم يطمس بصره ، ورأى النّاس ولم ير يوسف بينهم ، لازداد حزنه وتضاعف ، ولا نقلب إلى حزنين ، حزن فراق المحبوب ، وحزن لقاء غير المحبوب ، فمنّ اللّه عليه ، وهوّن عليه الحزنين ، إلّا أنّه غير مؤبّد ، بل إلى انتهاء عذاب الفراق ، وتجدّد عذب الوصال . 5 - وقد أبدى يعقوب حزنه على فراق يوسف مرّتين : مرّة عند بدء الفراق ؛ حيث اقترح عليه إخوة يوسف أن يرسله معهم يرتع ويلعب ، فقال لهم : إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ يوسف : 13 . ومرّة عند اشفاقهم عليه أن يكون حرضا أو يكون من الهالكين لكثرة ذكره يوسف ، فقال : إِنَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ . . . يوسف : 86 . 6 - إنّ يعقوب مع شدّة حزنه على فراق يوسف فقد كظمه في المرّة الأولى ، ولم يظهره للنّاس . فلم ير النّاس من يعقوب خلال تلك الأيّام والشّهور سوى كثرة بكائه وابيضاض عينيه ، أمّا ما انطوى عليه قلبه وامتلأ به صدره من الحزن فلم يعلمه إلّا اللّه ، ولهذا شكاه إلى اللّه دون غيره . وهذا باب كبير من اتّكاله على اللّه ، ورجائه منه ، واعتماده على لطفه ورحمته ، واستغنائه عن غيره . 7 - وهناك نكتة أخرى ذكرها أبو عليّ الدّقّاق ؛ حيث قارن بين بكاء يعقوب وبكاء داود عليهما السّلام ، فقال : « إنّ يعقوب بكى لأجل مخلوق وهو يوسف ، فذهب بصره ، وداود بكى لأجل اللّه ، فبقي بصره » .