مجمع البحوث الاسلامية
274
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
قوله : يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ . وإمّا لقصد التّفنّن في الفصاحة وإخراج الكلام على عدّة أساليب ، كما في قوله : وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ البقرة : 58 ، وقوله : وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً الأعراف : 161 . ( 3 : 47 ) رشيد رضا : قيل : إنّ بياض الوجوه وسوادها هاهنا من باب الحقيقة ، وأنّ ذلك يكون يوم القيامة خاصّة ، واحتجّ صاحب هذا القول بمثل قوله تعالى : وَيَوْمَ الْقِيامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ الزّمر : 60 . وقيل : وهو الرّاجح ، أنّه من باب الكناية . [ ونقل قول الرّاغب ثمّ قال : ] أقول : ولا يزال هذا الاستعمال شائعا عند كلّ ناطق بالضّاد ، لا سيّما وصف الكاذب بسواد الوجه ، فتعجّبوا لسواد وجه الكاذب ، هذا هو الرّاجح في تفسير الآية وفاقا للرّاغب ولأبي مسلم والمختار عند الأستاذ الإمام ؛ إذ حمل العذاب في الآية على عذاب الدّنيا وعذاب الآخرة جميعا ، ويدلّ على ما يكون في الآخرة الآيات الّتي ذكرناها آنفا في بحث استعمال السّواد والبياض في المعاني ؛ إذ فيها التّصريح بذكر ذلك اليوم . وأمّا ما يكون في الدّنيا فقد قال الأستاذ الإمام في بيانه ما مثاله : أمّا المتّفقون الّذين جمعوا عزائمهم وإرادتهم على العمل ، بما فيه مصلحة أمّتهم وملّتهم ، واعتصموا واتّفقوا على الأعمال النّافعة الّتي فيها عزّتهم وشرفهم ، وأصبح كلّ واحد منهم عونا للآخر ووليّا له ، فأولئك تبيضّ وجوههم ، أي تنبسط وتتلألأ بهجة وسرورا ، عند ظهور أثر الاتّفاق والاعتصام ونتائجهما ، وهي السّلطة والعزّة والشّرف ، وارتفاع المكانة وسعة السّلطان . وهذا الأثر ظاهر في الأمم المتّفقة المتّحدة الّتي يتألّم مجموعها ، إذا أهين واحد منها في قطر من أقطار الأرض بعيد أو قريب ، وتجيش جميعها مطالبة بنصره والانتقام له ، لأنّه ظلم وأهين ، ولا يصحّ عندها أن يكون منها ، ثمّ يظلم أو يهان وتكون هي راضية ناعمة البال . أولئك الأقوام ترى على وجوههم لألاء العزّة وتألّق البشر بالشّرف والرّفعة ، وهو ما يعبّر عنه ببياض الوجه . وأمّا المختلفون لافتراقهم في المقاصد ، وتباينهم في المذاهب والمشارب ، الّذين لا يتناصرون ولا يتعاضدون ، ولا يهتمّ أفرادهم بالمصلحة العامّة الّتي فيها شرف الملّة وعزّة الأمّة ، فهم الّذين تسودّ وجوههم بالذّلّة والكآبة ، يوم تظهر عاقبة تفرّقهم واختلافهم بقهر الأجنبيّ لهم ، ونزعة السّلطة من أيديهم . والتّاريخ شاهد على صدق هذا الجزاء في الماضين ، والمشاهدة أصدق وأقوى حجّة في الحاضرين . ( 4 : 52 ) عزّة دروزة : والمتبادر أنّ تعبير ابيضاض الوجوه واسودادها مجازيّ ، مستمدّ من المألوفات الخطابيّة ، في مواقف الفوز والإخفاق والصّدق والكذب . ولقد روى ابن كثير في سياق تفسير يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ، أنّ ابن عبّاس قال : تبيضّ وجوه أهل السّنّة والجماعة ، وتسودّ وجوه أهل البدع والفرقة .