مجمع البحوث الاسلامية
26
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
فلمّا نزلت هذه الآية ، أخذ النّبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بيد عليّ وفاطمة والحسن والحسين عليهم السّلام ، ثمّ دعا النّصارى إلى المباهلة ، فأحجموا عنها . وقال بعضهم لبعض : إن باهلتموه اضطرم الوادي عليكم نارا . ( 1 : 398 ) الطّوسيّ : [ ذكر القصّة نحو الماورديّ ثمّ أضاف بعد قوله : فأحجموا عنها : ] . . . وأقرّوا بالذّلّة والجزية . ويقال : إنّ بعضهم قال لبعض : إن باهلتموه اضطرم الوادي نارا عليكم ، ولم يبق نصرانيّ ولا نصرانيّة إلى يوم القيامة . وروي أنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله قال لأصحابه : مثل ذلك . ولا خلاف بين أهل العلم أنّهم لم يجيبوا إلى المباهلة . وقيل في معنى الابتهال قولان : أحدهما : الالتعان ، بهله اللّه ، أي لعنه ، وعليه بهلة اللّه . الثّاني : ( نَبْتَهِلْ ) : ندعو بهلاك الكاذب ، قال لبيد : * نظر الدّهر إليهم فابتهل * أي دعا عليهم بالهلاك كاللّعن ، وهو المباعدة من رحمة اللّه عقابا على معصيته . فلذلك لا يجوز أن يلعن من ليس بعاص من طفل أو بهيمة أو نحو ذلك . وقال أبو بكر الرّازيّ : الآية تدلّ على أنّ الحسن والحسين ابناه ، وأنّ ولد البنت ابن علي الحقيقة . وقال ابن أبي علان : فيها دلالة على أنّ الحسن والحسين كانا مكلّفين في تلك الحال ، لأنّ المباهلة لا تجوز إلّا مع البالغين . واستدلّ أصحابنا بهذه الآية على أنّ أمير المؤمنين عليه السّلام كان أفضل الصّحابة من وجهين : أحدهما : أنّ موضوع المباهلة ليتميّز المحقّ من المبطل ؛ وذلك لا يصحّ أن يفعل إلّا بمن هو مأمون الباطن ، مقطوعا على صحّة عقيدته ، أفضل النّاس عند اللّه . والثاني : أنّه صلّى اللّه عليه وآله جعله مثل نفسه بقوله : وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ لأنّه أراد بقوله : أَبْناءَنا الحسن والحسين عليهما السّلام بلا خلاف ، وبقوله : وَنِساءَنا فاطمة عليها السّلام ، وبقوله : وَأَنْفُسَنا أراد به نفسه ، ونفس عليّ عليه السّلام ، لأنّه لم يحضر غيرهما بلا خلاف ، وإذا جعله مثل نفسه ، وجب ألّا يدانيه أحد في الفضل ، ولا يقاربه . ومتى قيل لهم : إنّه أدخل في المباهلة الحسن والحسين عليهما السّلام ، مع كونهما غير بالغين وغير مستحقّين للثّواب ، وإن كانا مستحقّين للثّواب لم يكونا أفضل الصّحابة . قال لهم أصحابنا : إنّ الحسن والحسين عليهما السّلام كانا بالغين مكلّفين ، لأنّ البلوغ وكمال العقل لا يفتقر إلى شرط مخصوص ، ولذلك تكلّم عيسى عليه السّلام في المهد بما دلّ على كونه مكلّفا عاقلا ، وقد حكيت ذلك عن إمام من أئمّة المعتزلة مثل ذلك . وقالوا أيضا - أعني أصحابنا - : إنّهما كانا أفضل الصّحابة بعد أبيهما وجدّهما ، لأنّ كثرة الثّواب ليس بموقوف على كثرة الأفعال ، فصغر سنّهما لا يمنع من أن يكون معرفتهما وطاعتهما للّه ، وإقرارهما بالنّبيّ صلّى اللّه عليه وآله وقع على وجه يستحقّ به الثّواب ما يزيد على ثواب كلّ من عاصرهما ، سوى جدّهما وأبيهما . ( 2 : 484 )