مجمع البحوث الاسلامية
210
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الإسلام إلى البيت ، بمناسبة هذا التّعبير الموحي : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً فهكذا يريد الإسلام البيت مكانا للسّكينة النّفسيّة والاطمئنان الشّعوري . هكذا يريده مريحا تطمئنّ إليه النّفس وتسكن وتأمن ، سواء بكفايته المادّيّة للسّكنى والرّاحة ، أو باطمئنان من فيه بعضهم لبعض ، وبسكن من فيه كلّ إلى الآخر . فليس البيت مكانا للنّزاع والشّقاق والخصام ، إنّما هو مبيت وسكن وأمن واطمئنان وسلام . ومن ثمّ يضمن الإسلام للبيت حرمته ، ليضمن له أمنه وسلامه واطمئنانه . فلا يدخله داخل إلّا بعد الاستئذان ولا يقتحمه أحد - بغير حقّ - باسم السّلطان ، ولا يتطلّع أحد على من فيه لسبب من الأسباب ، ولا يتجسّس أحد على أهله في غفلة منهم أو غيبة ، فيروع أمنهم ، ويخلّ بالسّكن الّذي يريده الإسلام للبيوت ، ويعبّر عنه ذلك التّعبير الجميل العميق . ولأنّ المشهد مشهد بيوت وأكنان وسرابيل ، فإنّ السّياق يعرض من الأنعام جانبها الّذي يتناسق مع مفردات المشهد : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً . . . الآية . وهو هنا كذلك يستعرض من نعمة الأنعام ما يلبيّ الضّرورات وما يلبّي الأشواق ، فيذكر المتاع إلى جانب الأثاث ، والمتاع ولو أنّه يطلق على ما في الأرحال من فرش وأغطية وأدوات ، إلّا أنّه يشي بالتّمتّع والارتياح . ( 4 : 2186 ) الطّباطبائيّ : وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً أي جعل لكم بعض بيوتكم سكنا تسكنون إليه ، ومن البيوت ما لا يسكن إليه كالمتّخذ لادّخار الأموال واختزان الأمتعة وغير ذلك ، وقوله : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً أي من جلودها بعد الدّبغ ، وهي الأنطاع والأدم ( بيوتا ) وهي القباب والخيام . ( 12 : 314 ) مكارم الشّيرازيّ : البيوت : جمع بيت ، مأخوذ من « البيتوتة » وهي في الأصل بمعنى التّوقّف ليلا . وأطلقت كلمة « بيت » على الحجرة أو الدّار لحصول الاستفادة منهما للسّكن ليلا . ويلزمنا هنا التّنويه بالملاحظة التّالية : أنّ القرآن الكريم لم يقل : إنّ اللّه جعل بيوتكم سكنا لكم ، وإنّما ذكر كلمة ( من ) التّبعيضيّة أوّلا ، وقال : مِنْ بُيُوتِكُمْ وذلك لدقّة كلام اللّه التّامّة في التّعبير ؛ حيث إنّ الدّار أو الحجرة الواحدة تلحقها مرافق أخرى كالمخزن والحمّام وغيرهما . وبعد أن تطرّق القرآن الكريم إلى ذكر البيوت الثّابتة ، عرّج على ذكر البيوت المتنقّلة ، فقال : وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً . ( 8 : 251 ) محمّد حسين فضل اللّه : ثمّ تتحرّك الجولة القرآنيّة في آفاق حياة النّاس ، لتدلّهم على آثار نعمة اللّه فيها ، فتدخل إلى بيوتهم ، وإلى ما يسّره اللّه لهم من طمأنينة العيش وراحته فيها وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً يتخفّف الإنسان فيها من جهد العمل ، وتعب التّنقّل ، ويحسّ فيها بأنّه يسكن إلى أرض وسقف ، يتحقّق له فيها الكثير من السّكينة والطّمأنينة وراحة الرّوح والجسد . ولعلّ هذه المشاعر الّتي يستوحيها الإنسان من كلمة السّكن ، ومن معنى البيت في الواقع ، لا يفهمها إلّا الّذين