مجمع البحوث الاسلامية
168
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
يغفل عن ذلك ، بل قال : عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي فِي كِتابٍ طه : 52 ، مزيدا في الحجاج بشأن الرّبّ . 5 - إنّ موسى لمّا أخبر عن عذاب الأقوام ، قال فرعون : إنّهم اليوم ليسوا إلّا أحاديث ، ولا يعلم حالهم ، فكيف يعذّبهم ؟ فأجاب موسى بأنّ حالهم معلوم للّه تعالى ، مثبت في كتاب عنده ، فيجزيهم حسب أعمالهم ، ويؤيّده ذكر « الكتاب » الّذي فيه الأعمال . وعلى كلّ حال ، فأكثر هذه الوجوه - إن لم نقل : كلّها - لها ارتباط واتّصال بما تقدّمها من احتجاج موسى على وجود الرّبّ سبحانه . رابعا : جاء في الآيتين ( 3 ) و ( 4 ) إصلاح بال المؤمنين مرّتين ؛ ففي الأولى قارن اللّه المؤمنين بالكافرين ، فقال في الكافرين : أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ، وفي المؤمنين : كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ * وَأَصْلَحَ بالَهُمْ . وفي الثّانية قال في شأن المستشهدين في سبيل اللّه : وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمالَهُمْ * سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بالَهُمْ * وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَها لَهُمْ ، وفي الآيتين مواضع تلفت النّظر وتثير السّؤال : 1 - جاء في الأولى إضلال أعمال الكافرين مقابل إصلاح بال المؤمنين ، فركّز في جانب الكفّار إضلال أعمالهم ، وفي جانب المؤمنين إصلاح بالهم . ويبدو أنّ المقارنة بينهما تكشف عمّا أضمر في كلّ منهما ، ففي الكفّار أضمر فساد بالهم كعلّة لضلال أعمالهم ، وفي المؤمنين أضمر صلاح أعمالهم كنتيجة لإصلاح بالهم ، أي أنّهم لمّا أصلح بالهم فسيتبعه حتما صلاح أعمالهم . والحاصل هو تتابع أعمال كلّ فريق لأحوال بالهم ، كما قال تعالى : قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ الإسراء : 84 . 2 - وجاء في جانب الكفّار الّذين صدّوا عن سبيل اللّه أَضَلَّ أَعْمالَهُمْ ، فنسب الصّدّ إليهم والإضلال إلى اللّه ، مجازاة لصدّهم . فليس هذا الإضلال جبرا ولا ظلما كما فهمته الأشاعرة ، فجزاء السّيّئ بالسّيّئ عدل : وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها الشّورى : 40 ، وكذلك نسبة إصلاح بالهم إلى اللّه جزاء لهم ورحمة عليهم . ومثلها كلّ ما يشعر بالجبر في القرآن من آيات الهداية والضّلالة ، كقوله : يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ البقرة : 26 . 3 - وكذلك إضلال أعمالهم يناسب صدّهم عن سبيل اللّه ، فإنّ السّبيل إذا صدّ عنه ضلّ السّالك فيه ، فعمله عمل ضالّ . وجاء في جانب المؤمنين الّذين يعملون الصّالحات أَصْلَحَ بالَهُمْ ، فصلاح الأعمال ينشأ من صلاح البال ، كما كان ضلال الأعمال ناشئا من الصّدّ عن السّبيل . 4 - قدّم في ( 3 ) الكافرين على المؤمنين تقديما للإنذار على التّبشير ، كما جاء عكسه في القرآن كثيرا ، حسب مقتضى الأحوال [ لاحظ « ب ش ر » ] 5 - وصف الّذين كفروا بأنّهم صَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، ووصف الّذين آمنوا بأنّهم عَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَآمَنُوا بِما نُزِّلَ عَلى مُحَمَّدٍ . وهذا التّقابل نوع من المحسّنات أيضا ، فيفيد عدم اتّصاف كلّ من الفريقين بما اتّصف به الآخر . فالكفّار لم يتّصفوا بعمل الصّالحات ، ولم يؤمنوا بما نزّل على محمّد ، كما أنّ المؤمنين لم يتّصفوا بالصّدّ