مجمع البحوث الاسلامية
109
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
( الدّار ) ولا معنى لتبوّؤ الإيمان فالإيمان ليس مكانا كالدّار ؟ فقالوا : أي جعلوا ديارهم موضع مقامهم وآمنوا باللّه من قبلهم ، أو توطّنوا المدينة واتّخذوها دار الهجرة والإيمان ، أو لزموا المدينة وقبلوا الإيمان وآثروه ، أو لزموا المدينة ومواضع الإيمان ، أو تبوّء الدّار وأخلصوا الإيمان ، أو جعلوا الإيمان مستقرّا ومتوطّنا لهم لتمكّنهم منه واستقامتهم عليه ، كما جعلوا المدينة كذلك ، أو أريد دار الهجرة ودار الإيمان فأقيم ( ال ) من ( الدّار ) مقام المضاف إليه ، وحذف من دار الإيمان ، ووضع المضاف إليه - وهو الإيمان - مقامه أو سمّي المدنيّة ( الايمان ) لأنّها دار الهجرة دار الإيمان ، أو تبوّأ الدّار مع الإيمان ، أو واعتقدوا الإيمان وأخلصوه ، أو أن تبوّأو الإيمان على سبيل المثل مثل « تبوّأ من بنى فلان الصّميم » ، أو ضمّن ( تبوّأو ) معنى « لزموا » أو لمّا كان الإيمان حد شملهم صار كالمكان الّذي يقيمون فيه - لكنّه استلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز - أو اتّخذوا المدينة والإيمان مباءة ، أو أنّ تبوّأ الإيمان : تعميره ورفع نواقصه ، أو أريد بالإيمان القلوب بعلاقة الحالّ والمحلّ أي أنّ الأنصار تبوّؤا دارهم وقلوبهم للمهاجرين إلى غيرها . هذا : وقد التزم كلّهم بتقدير شيء أو حذف أو تجوّز ونحوها والّذي نختاره هو قول الشّريف الرّضيّ الأديب البارع - وقد تقدّم - وهو أنّه استعارة حيث شبّه الإيمان بالمكان لأنّهم استقرّوا في الإيمان كاستقرارهم في الأوطان ، وقال : إنّه من صميم البلاغة ولباب الفصاحة وقد زاد لفظ المستعار هاهنا معنى الكلام رونقا ، ألا ترى كم بين قولنا : « استقرّوا في الإيمان » وبين قولنا « تبوّأو الإيمان . . . » وبعض تلك الوجوه يحتمل هذا الوجه أيضا ومنها قول البروسويّ : إنّه استعارة مكنيّة تخييليّة وهناك بحث آخر في قوله : مِنْ قَبْلِهِمْ حيث أنكروا إيمان الأنصار قبل المهاجرين فقالوا فيه تقديم وتأخير : أي والّذين تبوّأ الدّار من قبلهم والإيمان ، أو أريد أنّ الأنصار آمنوا قبل هجرتهم ، لا قبل إيمانهم . وعاشرا : اختلفوا أيضا في ( 8 ) وَلَقَدْ بَوَّأْنا بَنِي إِسْرائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ في أربع : 1 - « مبوّء » هل هو مصدر ميميّ ، أو اسم مكان وجهان محتملان لا ترجيح لأحدهما . 2 - نصب ( مبوّء ) إمّا لكونه مفعولا مطلقا للفعل أي : بوّأناهم تبوّأ صدق ، وهذا هو الرّاجح بناء على كونه مصدرا ، أو ظرفا للفعل أي بوّأناهم في مبوء صدق كقوله : لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفاً العنكبوت : 58 . وإليه يؤل تفسيره بالمنزل والمكان في النّصوص أو مفعولا ثانيا للفعل على الاتّساع إن كان مصدرا هذه وجوه ثلاثة ولكلّ وجه ولعلّ الظّرفيّه أوجه فيكون نظير : إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ * فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ القمر : 54 ، 55 و وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ الإسراء : 80 . 3 - اختلفوا في معنى ( مبوّا صدق ) : إنّه كالصّدق في الفضل نظير أخو صدق أن كفضل الصّدق على الكذب ، أو تصدّق به عليهم ، لأنّ الصّدقة والبرّ من الصّدق ، صالحا مرضيّا يصدق فيه ظنّ قاصده وساكنه وأهله ، مكانا محمودا ، منزلا كريما ، موضع خصب وأمن يصدق فيما يدلّ عليه من جلالة النّعمة ، فضل وكرامة ، مكان صدق الوعد ، أضيف إلى الصّدق لدلالته على صدق