مجمع البحوث الاسلامية
97
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
تعالى : اثنان منها في هذه الآية ، ولعلّه خصّ بالذّكر هاهنا من بين الأسماء الملائمة معناه للمورد ، لأنّه قريب المعنى من الخالق والموجد ، من برأ يبرأ براء ، إذا فصل ، لأنّه يفصل الخلق من العدم ، أو الإنسان من الأرض ، فكأنّه تعالى يقول : هذه التّوبة وقتلكم أنفسكم وإن كان أشقّ ما يكون من الأوامر ، لكنّ اللّه الّذي أمركم بهذا الفناء والزّوال بالقتل ، هو الّذى برأكم ، فالّذي أحبّ وجودكم وهو خير لكم ، هو يحبّ الآن حلول القتل عليكم فهو خير لكم ، وكيف لا يحبّ خيركم وقد برأكم ! فاختيار لفظ ( البارئ ) بإضافته إليهم ، في قوله : ( إلى بارئكم ) وقوله : عِنْدَ بارِئِكُمْ للإشعار بالاختصاص ، لإثارة المحبّة . ( 1 : 189 ) بنت الشّاطئ : الكلمة جاءت مرّتين في آية البقرة : 54 وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ . وجاء ( البارئ ) اسما من أسماء اللّه تعالى الحسنى في آية الحشر : 24 هُوَ اللَّهُ الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى . كما جاء منه الفعل المضارع في آية الحديد : 22 . ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ومن غير المهموز ، جاءت « البريّة » مرّتين في آيتي البيّنة : 6 ، 7 . إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نارِ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أُولئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ . وفي غير معنى الخلق جاءت المادّة في البراءة ، والتّبرّؤ ، والتّبرئة . وتفسير البارئ بالخالق يبدو قريبا ، لولا أنّ آية الحشر جمعت بين الْخالِقُ الْبارِئُ الْمُصَوِّرُ ثمّ إنّ فعل « الخلق » يجيء في القرآن مسندا إلى اللّه تعالى في أكثر من مائة وستّين موضعا ، ومعها خَلَقَ اللَّهُ العنكبوت : 44 ، و خَلْقِ الرَّحْمنِ الملك : 3 ، سبحانه خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ الرّعد : 16 والزّمر : 62 والأنعام : 102 ، هَلْ مِنْ خالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ فاطر : 3 ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ الحجر : 86 ، فهل من فرق دلالة بين الخالق والبارئ ؟ ذكر الرّاغب : أنّ « البارئ » خصّ بوصفه تعالى ، ولم يبيّن وجه اختصاص اللّه سبحانه بصفة البارئ . وفي « القاموس » : برأ اللّه الخلق : خلقهم . وفيه كذلك : البراء : أوّل ليلة ، أو يوم من الشّهر ، أو آخرها وآخره . ولو قد اقتصر في « البراء » على أوّل الشّهر لفهمنا البارئ بكونه تعالى يبدأ الخلق ثمّ يعيده كما بدأه أوّل مرّة . والزّمخشريّ فسّر الْخالِقُ الْبارِئُ في آية الحشر ، فقال : ( الخالق ) : المقدّر لما يوجده ، ( البارئ ) : المميّز بعضه عن بعض بالأشكال المختلفة . ومثله في « البحر المحيط » لأبي حيّان . وذهب ابن الأثير إلى وجه آخر في الفرق بين