مجمع البحوث الاسلامية
859
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الألباب الذّاكرين اللّه على جميع أحوالهم والمتفكّرين في الخلق ، دلّ على أنّ غيرهم من أهل الغفلة والجهالة يذهبون إلى خلاف هذه المقالة ، فنزّهوه تعالى عمّا يقول أولئك المبطلون ، ممّا أشار إليه تعالى في قوله : ( لاعبين ) وفي قوله : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً المؤمنون : 115 . واعترض بهذا التّنزيه المتضمّن براءة اللّه من جميع النّقائص وأفعال المحدثين بين ذلك الإقرار وبين رغبتهم إلى ربّهم بأن يقيهم عذاب النّار ، ولم يكن لهم همّ في شيء من أحوال الدّنيا ولا اكتراث بها ، إنّما تضرّعوا في سؤال وقايتهم العذاب يوم القيامة ، وهذا السّؤال هو نتيجة الذّكر والفكر والإقرار والتّنزيه . ( 3 : 139 ) البروسويّ : أي خلقا باطلا عبثا ضائعا عن الحكمة ، خاليا عن المصلحة ، كما ينبئ عنه أوضاع الغافلين عن ذلك المعرضين عن التّفكّر فيه ، بل منتظما لحكم جليلة ومصالح عظيمة ، من جملتها : أن يكون مدارا لمعايش العباد ، ومنارا يرشدهم إلى معرفة أحوال المبدإ والمعاد ، حسبما أفصحت عنه الرّسل والكتب الإلهيّة . ( 2 : 145 ) نحوه الآلوسيّ . ( 4 : 160 ) محمّد عبده : هذا حكاية لقول هؤلاء الّذين يجمعون بين تفكّرهم وذكر اللّه عزّ وجلّ ، ويستنبطون من اقترانهما الدّلائل على حكمة اللّه وإحاطة علمه سبحانه بدقائق الأكوان الّتي تربط الإنسان بربّه حقّ الرّبط ، وقد اكتفى بحكاية مناجاتهم لربّهم عن بيان نتائج ذكرهم وفكرهم . فطيّ هذه وذكر تلك من إيجاز القرآن البديع ، وفيه تعليم المؤمنين كيف يخاطبون اللّه تعالى عندما يهتدون إلى شيء من معاني إحسانه وكرمه وبدائع خلقه ، كأنّه يقول : هذا هو شأن المؤمن الذّاكر المتفكّر يتوجّه إلى اللّه في هذه الأحوال ، بمثل هذا الثّناء والدّعاء والابتهال . وكون هذا ضربا من ضروب التّعليم والإرشاد ، لا يمنع أنّ بعض المؤمنين قد نظروا وذكروا وفكّروا ثمّ قالوا هذا أو ما يؤدّي معناه ، فذكر اللّه حالهم وابتهالهم ، ولم يذكر قصّتهم وأسماءهم ، لأجل أن يكونوا قدوة لنا في عملهم ، وأسوة في سيرتهم ، أي لا في ذواتهم وأشخاصهم ؛ إذ لا فرق في هذا بيننا وبينهم . أمّا معنى كون هذا الخلق لا يكون باطلا ، فهو أنّ هذا الإبداع في الخلق والإتقان للصّنع ، لا يمكن أن يكون من العبث والباطل ، ولا يمكن أن يفعله الحكيم العليم لهذه الحياة الفانية فقط . كما أنّ الإنسان الّذي أوتي العقل الّذي يفهم هذه الحكم ، ودقائق هذا الصّنع ، وكلّما ازداد تفكّرا ، ازداد علما ، حتّى أنّه لا حدّ يعرف لفهمه وعلمه ، لا يمكن أن يكون وجد ليعيش قليلا ثمّ يذهب سدى ، ويتلاشى ويكون باطلا ، بل لا بدّ أن يكون باستعداده الّذي لا نهاية له قد خلق ليحيا حياة لا نهاية لها ، وهي الحياة الآخرة الّتي يرى كلّ عامل فيها جزاء عمله ، ولهذا وصل الثّناء بهذا الدّعاء ، ومعناه : اجتنبنا السّيّئات ، ووفّقنا للأعمال الصّالحات ، حتّى يكون ذلك وقاية لنا من عذاب النّار ، وهذه هي نتيجة فكر المؤمن .