مجمع البحوث الاسلامية
857
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
قوله : ( سبحانك ) تنزيها له عن أن يخلق مثل هذا الخلق ، ومعلوم أنّ ذلك باطل . الثّاني : أنّه إنّما يحسن وصل قوله : فَقِنا عَذابَ النَّارِ به إذا حملناه على المعنى الّذي ذكرناه ، لأنّ التّقدير : ما خلقته باطلا بغير حكمة بل خلقته بحكمة عظيمة ، وهي أن تجعلها مساكن للمكلّفين الّذين اشتغلوا بطاعتك وتحرّزوا عن معصيتك ، فَقِنا عَذابَ النَّارِ لأنّه جزاء من عصى ولم يطع ؛ فثبت إنّا إذا فسّرنا قوله : ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا بما ذكرنا ، حسن هذا النّظم . أمّا إذا فسّرناه بأنّك خلقته محكما شديد التّركيب ، لم يحسن هذا النّظم . الثّالث : أنّه تعالى ذكر هذا في آية أخرى ، فقال : وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما باطِلًا ذلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا ص : 27 ، وقال في آية أخرى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ * ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ . . . الدّخان : 38 ، 39 ، وقال في آية أخرى : أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً إلى قوله : فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ المؤمنون : 115 ، 116 ، أي فتعالى الملك الحقّ عن أن يكون فعله عبثا ، وإذا امتنع أن يكون عبثا ، فبأن يمتنع كونه باطلا أولى . والجواب : اعلم أنّ بديهة العقل شاهدة بأنّ الموجود إمّا واجب لذاته ، وإمّا ممكن لذاته ، وشاهده أنّ كلّ ممكن لذاته فإنّه لا بدّ وأن ينتهي في رجحانه إلى الواجب لذاته ، وليس في هذه القضيّة تخصيص بكون ذلك الممكن مغايرا لأفعال العباد ، بل هذه القضيّة على عمومها قضيّة يشهد العقل بصحّتها . وإذا كان كذلك وجب أن يكون الخير والشّرّ بقضاء اللّه ، وإذا كان كذلك امتنع أن يكون المراد من هذه الآية تعليل أفعال اللّه تعالى بالمصالح . إذا عرفت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يكون تأويل الآية ما حكيناه عن الواحديّ قوله : ولو كان كذلك لكان قوله : ( سبحانك ) تنزيها له عن فعل ما لا شدّة فيه ولا صلابة ، وذلك باطل ؟ قلنا : لم لا يجوز أن يكون المراد : ربّنا ما خلقت هذا رخوا فاسد التّركيب بل خلقته صلبا محكما ، وقوله : ( سبحانك ) معناه أنّك وإن خلقت السّماوات والأرض صلبة شديدة باقية فأنت منزّه عن الاحتياج إليه والانتفاع به ، فيكون قوله : ( سبحانك ) معناه هذا . قوله ثانيا : إنّما حسن وصل قوله : فَقِنا عَذابَ النَّارِ به إذا فسّرناه بقولنا . قلنا : لا نسلم بل وجه النّظم ، إنّه لمّا قال : ( سبحانك ) اعترف بكونه غنيّا عن كلّ ما سواه ، فعندما وصفه بالغنى أقرّ لنفسه بالعجز والحاجة إليه في الدّنيا والآخرة ، فقال : فَقِنا عَذابَ النَّارِ وهذا الوجه في حسن النّظم إن لم يكن أحسن ممّا ذكرتم ، لم يكن أقلّ منه . وأمّا سائر الآيات الّتي ذكرتموها فهي دالّة على أنّ أفعاله منزّهة عن أن تكون موصوفة بكونها عبثا ولعبا وباطلا . ونحن نقول بموجبه : وإنّ أفعال اللّه كلّها حكمة وصواب ، لأنّه تعالى لا يتصرّف إلّا في ملكه وملكه ، فكان حكمه صوابا على الإطلاق ، فهذا ما في هذه المناظرة ، واللّه أعلم .