مجمع البحوث الاسلامية

854

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

والإنجيل والزّبور ، ولا يجيء كتاب من بعده يكذّبه . الثّاني : ما حكم القرآن بكونه حقّا لا يصير باطلا ، وما حكم بكونه باطلا لا يصير حقّا . الثّالث : معناه أنّه محفوظ من أن ينقص منه فيأتيه الباطل من بين يديه ، أو يزاد فيه فيأتيه الباطل من خلفه ، والدّليل عليه قوله : وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ فعلى هذا ( الباطل ) هو الزّيادة والنّقصان . الرّابع : يحتمل أن يكون المراد أنّه لا يوجد في المستقبل كتاب يمكن جعله معارضا له ، ولم يوجد فيما تقدّم كتاب يصلح جعله معارضا له . واعلم أنّ لأبي مسلم الأصفهانيّ أن يحتجّ بهذه الآية على أنّه لم يوجد النّسخ فيه ، لأنّ النّسخ إبطال ، فلو دخل النّسخ فيه لكان قد أتاه الباطل من خلفه ، وإنّه على خلاف هذه الآية . ( 27 : 131 ) أبو حيّان : والمعنى أنّ ( الباطل ) لا يتطرّق إليه مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تمثيل ، أي لا يجد الطّعن سبيلا إليه من جهة من الجهات ، فيتعلّق به . وأمّا ما ظهر من بعض الحمقى من الطّعن فيه على زعمهم ، ومن تأويل بعضهم له كالباطنيّة ، فقد ردّ عليهم ذلك علماء الإسلام وأظهروا حماقاتهم . وقال قتادة : ( الباطل ) : الشّيطان ، واللّفظ لا يخصّ الشّيطان . وقال ابن جبير والضّحّاك : مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أي كتاب من قبله فيبطله ولا من بعده ؛ فيكون على هذا ( الباطل ) في معنى المبطل ، نحو : أورس النّبات فهو وارس ، أي مورس . أو يكون ( الباطل ) بمعنى المبطل مصدرا ، فيكون كالعافية . وقيل : مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ أي قبل أن يتمّ نزوله ، وَلا مِنْ خَلْفِهِ من بعد نزوله ، وقيل : عكس هذا . وقيل : مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ قبل أن ينزّل ، لأنّ الأنبياء بشّرت به ، فلم يقدر الشّيطان أن يدحض ذلك وَلا مِنْ خَلْفِهِ بعد أن أنزل . ( 7 : 501 ) الشّربينيّ : لأنّه يمتنع منه بمتانة وصفة وجزالة نظمه وحلاوة معانيه ، فلا يلحقه تغيير مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ أي لا يتطرّق إليه الباطل من جهة من الجهات ، لأنّ قدّام أوضح ما يكون وخلف أخفى ما يكون ، فما بين ذلك من باب أولى . فالعبارة كناية عن ذلك ، لأنّ صفة اللّه تعالى لا وراء لها ولا أمام لها على الحقيقة ، ومثل ذلك ليس وراء اللّه تعالى مرمى ولا دونه منتهى . ( 3 : 521 ) البروسويّ : صفة أخرى ل ( كتاب ) أي لا يتطرّق إليه الباطل ولا يجد إليه سبيلا من جهة من الجهات ، حتّى يصل إليه ويتعلّق به . أي متى راموا فيه أن يكون ليس حقّا ثابتا من عند اللّه وإبطالا له لم يصلوا إليه ، ذكر أظهر الجهات وأكثرها في الاعتبار ، وهو جهة القدّام والخلف ، وأريد الجهات بأسرها ؛ فيكون قوله : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ إلخ استعارة تمثيليّة ، شبّه « الكتاب » في عدم تطرّق الباطل إليه بوجه من الوجوه ، بمن هو محميّ بحماية غالب قاهر ، يمنع جاره من أن يتعرّض له العدوّ من جهة من جهاته . ثمّ أخرجه مخرج الاستعارة بأن عبّر عن المشبّه بما عبّر به عن المشبّه به ، فقال : ( لا يأتيه ) إلخ أو لا يأتيه