مجمع البحوث الاسلامية

833

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

ولكن وعد أنبيائهم مقيّد بإتيان المسيح ، وقد أتى وكذّبه أكثرهم ، فإن كانوا ينتظرون غيره فليصبروا إلى أن يأتي ويصدّق بشارات الأنبياء . وأمّا التّعدّي على أهل البلاد ومحاولة سلب أرضهم وعقارهم منهم ، بتسخير بعض الدّول - الّتي تعبد المال - بمالهم لمساعدتهم على هذا الظّلم ، فليس له شبهة في تلك البشارات . ولكن عند المسلمين بشارة أصحّ وأصرح من بشاراتهم وهو إخباره صلّى اللّه عليه وسلّم لهم بأنّ اليهود يقاتلونهم ، فيظهرهم اللّه تعالى عليهم : انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ الأنعام : 158 . على أنّ اليهود لم يقفوا في الرّبا عند حدّ ، فقد صاروا يأكلون الرّبا من إخوتهم الفقراء ، وهم منهيّون في التّوراة عنه بلفظ « شعبي الفقير » كما يرى في سفر الخروج 22 : 25 . وقد وبّخهم على ذلك نحميا الّذي كان صاحب السّعي الأوّل لإطلاقهم من السّبي ، والمعيد لبناء أورشليم بعد خرابها ، والحاكم فيها ، والمقيم للسّبت وسائر الشّرائع الّتي كتبها لهم رفيقه العزير ( عزرا ) كما تقدّم في تفسير : وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ التّوبة : 30 ، من أوّل هذا السّياق ، فراجع الفصل الخامس من سفر نحميا . وفي نبوّة حزقيال نهي لهم عن الرّبا تارة بالإطلاق ، وتارة بتخصيص الفقير ، كما ترى في الإصحاح 18 منه ، وكذلك داود عليه السّلام أطلق القول في ذمّ الرّبا والرّشوة في آخر المزمور الخامس عشر . وأمّا النّصارى فقد وضع لهم الأساقفة أحكاما للرّبا والقروض فيما يسمّونه « اللّاهوت الأدبيّ » يبيحون فيها بعض الرّبا دون بعض ، وهم كاليهود في المعاملات الرّبويّة الرّسميّة . وليس من موضوعنا بيان هذا بالتّفصيل ، وإنّما موضوعنا أنّ الرّبا المحرّم عند اللّه تعالى على ألسنة أنبيائه ، لضرره ممّا يأكله رهبانهم أفرادا وجماعات . وأنّ لبعض رهبناتهم جمعيّات غنيّة ، معظم ثروتها من الرّبا ، منها جمعيّة كانت قد أسّست بأرض فرنسة مصرفا ماليّا بنكا ، جمعوا فيه من الأمانات ألوف الألوف ، ثمّ ادّعوا إفلاسه ، فضاعت تلك الأمانات الكثيرة على مودعيها في مصرفهم ، فهاج عليهم النّاس هيجة شؤميّ ، فكانوا يهجمون عليهم في أديارهم ويقتلونهم تقتيلا ، ثمّ طردتهم فرنسة من بلادها ، وإنّما تساعدهم في مستعمراتها وغيرها من بلاد الشّرق ، لترويجهم لسياستها . وقد اطّلعت على نظام في الطّرق الخفيّة التّي يجمعون بها الأموال من أهل دينهم ومذهبهم ، ومن أهمّها حمل الأغنياء ولا سيّما المثريات من النّساء على الوصيّة لجمعيّتهم أو بعض أديارهم وكنائسهم أو الوقف عليها ، ممّا لا حاجة في هذا التّفسير إلى تفصيله . وحسبنا ما ذكرناه في بيان صدق كتاب اللّه تعالى ، وهو ما حضر في الذّهن وخطر في البال عند الكتابة ، ممّا علمناه من التّاريخ ، وكلّه حقّ وإن فات أكثره جميع من عرفنا كتبهم من المفسّرين ، لأنّهم لا يستمدّون مثل هذا إلّا من الرّوايات والإسرائيليّات ، فعلى القارئ أن يعتبر به ، ويعجب من وقاحة أمثال هؤلاء الرّؤساء ، كيف لا يخجلون من بثّ الدّعاة في البلاد الإسلاميّة لدعوة