مجمع البحوث الاسلامية
783
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الفخر الرّازيّ : فيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أنّ قوله : ( وانّ منكم ) يجب أن يكون راجعا إلى المؤمنين الّذين ذكرهم اللّه بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ النّساء : 71 ، واختلفوا على قولين : الأوّل : المراد منه المنافقون ، كانوا يثبّطون النّاس عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم . فإن قيل : قوله : وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ تقديره : يا أيّها الّذين آمنوا إنّ منكم لمن ليبطّئنّ ، فإذا كان هذا المبطّئ منافقا فكيف جعل المنافق قسما من المؤمن في قوله : ( وانّ منكم ) ؟ والجواب من وجوه : الأوّل : أنّه تعالى جعل المنافق من المؤمنين من حيث الجنس والنّسب والاختلاط . الثّاني : أنّه تعالى جعلهم من المؤمنين بحسب الظّاهر ، لأنّهم كانوا في الظّاهر متشبّهين بأهل الإيمان . الثّالث : كأنّه قيل : يا أيّها الّذين آمنوا في زعمكم ودعواكم ، كقوله : يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ الحجر : 6 . القول الثّاني : إنّ هؤلاء المبطّئين كانوا ضعفة المؤمنين ، وهو اختيار جماعة من المفسّرين قالوا : والتّبطئة بمعنى الإبطاء أيضا ، وفائدة هذا التّشديد تكرّر الفعل منه ، وحكى أهل اللّغة أنّ العرب تقول : ما أبطأ بك يا فلان عنّا ؟ وإدخالهم الباء يدلّ على أنّه في نفسه غير متعدّ . فعلى هذا معنى الآية أنّ فيهم من يبطئ عن هذا الغرض ويتثاقل عن هذا الجهاد ، فإذا ظفر المسلمون تمنّوا أن يكونوا معهم ليأخذوا الغنيمة ، وإن أصابتهم مصيبة سرّهم أن كانوا متخلّفين . قال : وهؤلاء هم الّذين أرادهم اللّه بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ التّوبة : 38 ، قال : والّذي يدلّ على أنّ المراد بقوله : ( ليبطّئنّ ) الإبطاء منهم ، لا تثبيط غيرهم ، ما حكاه تعالى من قولهم : يا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ النّساء : 73 ، عند الغنيمة ، ولو كان المراد منه تثبيط الغير لم يكن لهذا الكلام معنى . وطعن القاضي في هذا القول ، وقال : إنّه تعالى حكى عن هؤلاء المبطّئين أنّهم يقولون عند مصيبة المؤمنين : قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً النّساء : 72 ، فيعدّ قعوده عن القتال نعمة من اللّه تعالى . ومثل هذا الكلام إنّما يليق بالمنافقين لا بالمؤمنين ، وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم : كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ النّساء : 73 ، يعني الرّسول ( مودّة ) فثبت أنّه لا يمكن حمله على المؤمنين ، وإنّما يمكن حمله على المنافقين . ثمّ قال : فإن حمل على أنّه من الإبطاء والتّثاقل صحّ في المنافقين ، لأنّهم كانوا يتأخّرون عن الجهاد ويتثاقلون ولا يسرعون إليه ، وإن حمل على تثبيط الغير صحّ أيضا فيهم ، فقد كانوا يثبّطون كثيرا من المؤمنين بما يوردون عليهم من أنواع التّلبيس ، فكلا الوصفين موجود في المنافقين . وأكثر المفسّرين حمله على تثبيط الغير ، فكأنّهم