مجمع البحوث الاسلامية
735
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
نهاره صائم وليله قائم . أو بوضع السّبب موضع المسبّب مبالغة ، كقولهم : ليل أعمى . أو أنّ مبصرا جاء بمعنى ذي إبصار ، كقولهم : أضاء النّهار وأظلم اللّيل ، أي صارا ذا ضياء وظلمة ، ومآل الكلّ إلى أمر واحد ، وهو المجاز في الإسناد . وأحسن ما قيل فيه قول الشّريف الرّضيّ ، حيث قال : وهذه استعارة عجيبة وذلك أنّه سبحانه إنّما سمّى النّهار مبصرا لأنّ النّاس يبصرون فيه ، فكان ذلك صفة الشّيء بما هو سبب له على طريق المبالغة ، كما قالوا : ليل أعمى وليلة عمياء ، إذا لم يبصر النّاس فيها شيئا لشدّة ظلامها وسقوط أكثافها . وهناك وجه آخر ، وهو أنّ « مبصرا » جاء بمعنى مبصّرا ، أي جعله يبصر ، والنّهار يجعل الإنسان يبصر الأشياء ، ومثله النّاقة - وهي معجزة - في الآيتين ( 29 ) و ( 30 ) ، لأنّها تجعل النّاس يبصرون ، أي يعلمون الحقّ . وكيف كان ، فالمراد بالإبصار في الأخيرتين ( 31 ) و ( 32 ) رؤية القلب ، لوضوح الحقّ والبرهان ، وفي الباقي رؤية البصر . ب - بصّر : آية واحدة : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً * يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ المعارج : 10 ، 11 يلاحظ أوّلا : أنّ ( يبصّرونهم ) بالبناء للمفعول ، ومصدره التّبصير ، وهو الإراءة والتّعريف والإيضاح ، وجعل الشّيء بحيث يبصره الغير . وهو متعدّ إلى مفعولين ، والمفعول الأوّل هنا « الواو والنّون » ، قام مقام الفاعل ، والمفعول الثّاني الضّمير « هم » . ثانيا : قد اختلفوا في تعيين الفاعل والمفعولين ، أمّا الفاعل فقيل : هو اللّه أو الملائكة ، أي اللّه أو الملائكة يعرّفونهم لهم . والصّواب أنّ الفاعل في مثل هذا السّياق ليس ملحوظا . أمّا المفعولان فقيل : يرجع إلى حَمِيمٌ حَمِيماً ، أي أنّ كلّ حميم يرى ويعرف حميمه ، وهو الأقرب من الصّواب والمتبادر إلى الذّهن . وجاء الضّميران بلفظ الجمع ، لأنّ المراد بالحميمين الجمع دون الآحاد . ومعنى الآية على هذا أنّ كلّ حميم لا يسأل ولا يحدّث حميمه ، إلّا أنّه ليس من أجل أنّهم لا يتعارفون ولا يعرف بعضهم بعضا ، أو لا يبصرونهم ، كلّا ، بل يبصر ويعرف بعضهم بعضا ، إلّا أنّ بعضهم يفرّ من بعض ، كما قال تعالى : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ عبس 34 - 37 . واختار هذا الوجه الطّوسيّ وأكابر المفسّرين بعده إلى الطّباطبائيّ . وقيل : يعرف المؤمنون الكفّار ، أو الأقرباء بعضهم بعضا ، أو أتباع الضّلالة رؤساءهم ونحوهما ، وهذه الأقوال بعيدة عن السّياق ولا شاهد عليها . ثالثا : اختلفوا في موضع ( يبصّرونهم ) ، فالأكثر على أنّه كلام مستأنف متعلّق بما قبله ، جواب سؤال مقدّر نشأ من قوله : وَلا يَسْئَلُ حَمِيمٌ حَمِيماً ، كأنّه قيل : لماذا يتساءلون ؟ هل هم لا يرونهم ولا يعرفونهم ؟ بلى ، يبصرونهم ويعرفونهم ، إلّا أنّهم يفرّون منهم . وقيل : إنّه متعلّق بما بعده ، أي أنّ المجرمين يبصرون المؤمنين حال أنّ أحدهم يودّ أن يفدي نفسه بكلّ