مجمع البحوث الاسلامية
613
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
بيّن بقوله : وفضل إدخالهم الجنّة الّذي هو فضل منه لا بعمل أحد ، وأمّا النّعمة في الجنّة والدّرجات فقد أخبر أنّها على قدر الأعمال ، انتهى . وقال غيرهما : هو بدل من الأوّل ، فلذلك لم يدخل عليه واو العطف . ومن ذهب إلى أنّ الجملة حال من الضّمير في ( يحزنون ) و ( يحزنون ) هو العامل فيها ، فبعيد عن الصّواب ، لأنّ الظّاهر اختلاف المنفيّ عنه الحزن والمستبشر ، ولأنّ الحال قيد ، والحزن ليس بمقيّد . والظّاهر أنّ قوله : ( يستبشرون ) ليس بتأكيد للأوّل بل هو استئناف متعلّق بهم أنفسهم ، لا بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فقد اختلف متعلّق الفعلين فلا تأكيد ، لأنّ هذا المستبشر به هو لهم ، وهو نعمة اللّه عليهم وفضله ، وفي التّنكير دلالة على بعض غير معيّن ، وإشارة إلى إبهام المراد تعظيما لأمره وتنبيها على صعوبة إدراكه ، كما جاء فيها : ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر . ( 3 : 116 ) أبو السّعود : كرّر لبيان أنّ الاستبشار المذكور ليس بمجرّد عدم الخوف والحزن ، بل به وبما يقارنه من نعمة عظيمة لا يقادر قدرها ، وهي ثواب أعمالهم . وقد جوّز أن يكون الأوّل متعلّقا بحال إخوانهم ، وهذا بحال أنفسهم بيانا لبعض ما أجمل في قوله تعالى : فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . ( 2 : 64 ) البروسويّ : معطوف على قوله : ( فرحين ) عطف الفعل على الاسم ، لكون الفعل في تأويل الاسم ، كأنّه قيل : فرحين ومستبشرين . وبناء استفعل ليس للطّلب بل هو بمعنى المجرّد ، نحو استغنى اللّه ، أي غني . وقد سمع : بشر الرّجل بكسر العين ، فيكون استبشر بمعناه . وقيل : هو مطاوع أبشر ، نحو أراحه فاستراح ، فإنّ البشرى حصلت لهم بإبشار اللّه تعالى ، وإليه أشار الزّمخشريّ في « الكشّاف » بقوله : بشّرهم اللّه بذلك فهم مستبشرون به ، والبيضاويّ بقوله : يسرّون بالبشارة . ( 2 : 124 ) الآلوسيّ : يَسْتَبْشِرُونَ * مكرّر للتّأكيد وليتعلّق به قوله تعالى : بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ فحينئذ يكون بيانا وتفسيرا لقوله سبحانه : أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ . قيل : الاستبشار الأوّل بدفع المضارّ ولذا قدّم ، والثّاني بوجود المسارّ ، أو الأوّل لإخوانهم ، والثّاني لهم أنفسهم . ومن النّاس من أعرب ( يستبشرون ) بدلا من الأوّل ، ولذا لم تدخل واو العطف عليه . ( 4 : 124 ) محمّد عبده : ذكر في الآية السّابقة استبشارهم بالّذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ، وأنّهم فرحون بما آتاهم اللّه من فضله ، ثمّ ذكر هنا أنّهم يستبشرون بنعمة من اللّه وفضل . فالّذي آتاهم من فضله مجمل تفصيله ما بعده ، وهو قسمان : فضل عليهم في إخوانهم الّذين وراءهم ، وفضل عليهم في أنفسهم ، وهو نعمة اللّه عليهم وفضله الخاصّ بهم في دار الكرامة . وقد أبهمه فلم يعيّنه ، للدّلالة على عظمه وعلى كونه غيبا لا يكتنه كنهه في هذه الدّار . ثمّ اختتم الكلام بفضله على إخوانهم كما افتتحه به ، وترك العطف لتنزيل الاستبشار الثّاني منزلة الاستبشار الأوّل ، حتّى كأنّه هو . ( رشيد رضا 4 : 237 )