مجمع البحوث الاسلامية
583
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
السّلطان الأعظم وسائر العبيد كانوا واقفين في خدمته ، فإذا رمى ذلك السّلطان تفّاحة إلى أحد أولئك العبيد ، عظم فرحه بها . فذلك الفرح العظيم ما حصل بسبب حصول تلك التّفّاحة بل بسبب أنّ ذلك السّلطان خصّه بذلك الإكرام ، فكذلك هاهنا قوله : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوانٍ منهم من كان فرحهم بسبب الفوز بتلك الرّحمة ، ومنهم من لم يفرح بالفوز بتلك الرّحمة ، وإنّما فرح لأنّ مولاه خصّه بتلك الرّحمة ، وحينئذ يكون فرحه لا بالرّحمة بل بمن أعطى الرّحمة . ثمّ إنّ هذا المقام يحصل فيه أيضا درجات ، فمنه من يكون فرحه بالرّاحم ، لأنّه رحم ، ومنهم من يتوغّل في الخلوص فينسى الرّحمة ، ولا يكون فرحه إلّا بالمولى ، لأنّه هو المقصد ؛ وذلك لأنّ العبد ما دام مشغولا بالحقّ من حيث إنّه راحم فهو غير مستغرق في الحقّ ، بل تارة مع الحقّ وتارة مع الخلق ، فإذا تمّ الأمر انقطع عن الخلق وغرق في بحر نور الحقّ ، وغفل عن المحبّة والمحنة ، والنّقمة والنّعمة ، والبلاء والآلاء . والمحقّقون وقفوا عند قوله : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ فكان ابتهاجهم بهذا وسرورهم به وتعويلهم عليه ورجوعهم إليه . ومنهم من لم يصل إلى تلك الدّرجة العالية فلا تقنع نفسه إلّا بمجموع قوله : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ فلا يعرف أنّ الاستبشار بسماع قول ربّهم ، بل إنّما يستبشر بمجموع كونه مبشّرا بالرّحمة . والمرتبة الثّانية : هي أن يكون استبشاره بالرّحمة ، وهذه المرتبة هي النّازلة عند المحقّقين . واللّطيفة الثّانية من لطائف هذه الآية هي أنّه تعالى قال : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ وهي مشتملة على أنواع من الرّحمة والكرامة : أوّلها : أنّ البشارة لا تكون إلّا بالرّحمة والإحسان . والثّاني : أنّ بشارة كلّ أحد يجب أن تكون لائقة بحاله ، فلمّا كان المبشّر هنا هو أكرم الأكرمين ، وجب أن تكون البشارة بخيرات تعجز العقول عن وصفها ، وتتقاصر الأفهام عن نعتها . والثّالث : أنّه تعالى سمّى نفسه هاهنا بالرّبّ وهو مشتقّ من التّربية ، كأنّه قال : الّذي ربّاكم في الدّنيا بالنّعم الّتي لا حدّ لها ولا حصر لها يبشّركم بخيرات عالية وسعادات كاملة . والرّابع : أنّه تعالى قال : ( ربّهم ) فأضاف نفسه إليهم ، وما أضافهم إلى نفسه . والخامس : أنّه تعالى قدّم ذكرهم على ذكر نفسه ، فقال : يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ . والسّادس : أنّ البشارة هي الإخبار عن حدوث شيء ما كان معلوم الوقوع ، أمّا لو كان معلوم الوقوع لم يكن بشارة ، ألا ترى أنّ الفقهاء قالوا : لو أنّ رجلا قال : من يبشّرني من عبيدي بقدوم ولدي فهو حرّ ، فأوّل من أخبر بذلك الخبر يعتق ، والّذين يخبرون بعده لا يعتقون . وإذا كان الأمر كذلك فقوله : ( يبشّرهم ) لا بدّ أن يكون إخبارا عن حصول مرتبة من مراتب السّعادات ما عرفوها قبل ذلك ، وجميع لذّات الجنّة وخيراتها وطيّباتها قد عرفوه في الدّنيا من القرآن ، والإخبار عن حصول بشارة ، فلابدّ وأن تكون هذه البشارة بشارة عن